الحرية –ياسر النعسان:
يحتاج الأطفال من فئة ضعاف السمع والصم إلى بيئة مُعدّة بعناية ومُحفّزة، تلبّي متطلباتهم النمائية والنفسية والتعليمية، لتمكينهم من تحقيق ذواتهم، والانخراط في عملية التعلم، والاندماج الكامل في المجتمع. يعد توفير هذه البيئة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع على حد سواء، فلا يمكن تجاهل احتياجات هذه الفئة التي تمثل جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمع. فإهمال هذه المتطلبات يؤدي إلى عواقب نفسية واجتماعية سلبية، بينما يضمن تأمينها تحويل هؤلاء الأطفال إلى أفراد فاعلين ومنتجين يساهمون في تنمية مجتمعاتهم.
الدور المحوري للأسرة
يؤكد الاختصاصي النفسي مراد النحاس أن دور الأسرة يبدأ من مرحلة التنشئة المبكرة، مركزاً على ركائز أساسية عدة:
• الاهتمام باللغة والنطق: التركيز على النطق الصحيح خاصة في مرحلة التقليد اللغوي، وتجنب استخدام الكلمات المحرفة أو لغة الأطفال غير الصحيحة.
• تنمية الحواس والإدراك: استخدام الألعاب التعليمية المتنوعة لتدريب الطفل على التمييز بين الأصوات والألوان والأشكال والأحجام، وتعزيز الإدراك الحسي.
• تشجيع التعبير واللعب: تحفيز الطفل على اللعب الحر التلقائي الذي ينشط الدماغ، وعلى المشاركة في ألعاب لفظية تناسب قدراته واستعداداته.

• بناء بيئة أسرية داعمة: توجيه إخوة الطفل لتفادي السخرية أو استخدام الألقاب، والتحدث مع الطفل بوضوح وهدوء، وخلق فرص مستمرة للحوار وتشجيعه على الكلام وتقليد الأصوات.
المتطلبات التربوية الشاملة
النمو الجسمي والحسي: يرى الاختصاصي التربوي بلال هواري أن تأمين النمو الجسمي السليم يتطلب:
• استثمار جميع الحواس: (البصر، اللمس، التذوق، الشم) في العملية التعليمية، مع التنويع في الوسائل التعليمية البصرية واللمسية لمراعاة الفروق الفردية.
• توظيف التكنولوجيا: استخدام الأجهزة والتعليمات الحديثة المساعدة.
• تدريبات متخصصة: تشمل تدريبات التنفس لتقوية العضلات الصوتية، والتدريب السمعي لتعظيم الاستفادة من بقايا السمع، وتدريبات النطق لإخراج الأصوات بنغمات متنوعة.
النمو العقلي والمعرفي
• ربط المجرد بالمحسوس: ربط الكلمات بمدلولاتها الحقيقية والملموسة.
• التكرار والتعزيز البصري: تحقيق مبدأ التكرار المدروس، والاعتماد على الوسائل البصرية كقناة تعليمية رئيسية، إذ إن “الصم يسمعون بعيونهم”.
• بناء الثقة: إتاحة فرص النجاح للطفل، وتجنب المقارنة بغيره، وقياس تقدمه مقارنة بإنجازاته الشخصية السابقة.
النمو الانفعالي والنفسي: لضمان نمو انفعالي سليم،لا بد من توفير بيئة عاطفية آمنة: إحاطة الطفل بالتقبل والعلاقة الدافئة لتعزيز ثقته بنفسه وبالآخرين.
• تعزيز تقبل الذات: مساعدة الطفل على تقبل إعاقته كجزء من واقع حياته والتركيز على إمكاناته، ما يحرره من التعلق بأمل غير واقعي ويسهل عملية تكيفه.
• توفير الحب والأمان: لطمأنة الطفل ونزع مشاعر الخوف والقلق.
• تفعيل الأنشطة والدعم الأسري: الاهتمام بالأنشطة التعليمية والاجتماعية البناءة، وحلّ المشكلات التي تواجهه، وتوعية الأهل بأسس التعامل والتواصل مع أطفالهم.
النمو الاجتماعي والاندماج: يبرز الاختصاصي الاجتماعي جمال حداد أهميته من خلال القبول الاجتماعي و يشكل تقبل الأسرة والمدرسة والمجتمع للطفل حجر الزاوية في تحقيق توازنه الانفعالي ونموه الاجتماعي.
• تعزيز الاستقلالية والمسؤولية و تدريب الطفل على تحمل المسؤوليات الشخصية وخدمة محيطه وتشجيعه على تكوين صداقات وممارسة الاستقلال العاطفي عن الوالدين و غرس القيم ومساعدته على تكوين قيم وسلوكيات تتناسب مع العالم من حوله.
البيئة الحاضنة
إنّ الاهتمام بهذه الفئة الغالية من أطفالنا ليس عملاً خيرياً، بل هو استثمار في رأس المال البشري وواجب إنساني واجتماعي. وهو يتطلب تعاوناً واعياً ومستمراً بين جميع الأطراف، لتوفير البيئة الحاضنة التي تمنحهم فرصتهم الحقيقية في التعلم، والإنجاز، والعيش بكرامة، بعيداً عن أي شكل من أشكال التنمر أو الإقصاء. فلنعمل معاً على بناء مجتمع شامل، يكون فيه كل فرد، مهما اختلفت قدراته، قادراً على العطاء وتحقيق ذاته.