الحرية – دينا عبد:
تعتبر الحروب واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية تأثيراً على النسيج الإجتماعي والاقتصادي للمجتمعات، حيث لا تقتصر تداعياتها على فقدان الأرواح والدمار المادي، بل تمتد لتطول التفاصيل اليومية الدقيقة في حياة الأفراد، ولعل أبرزها ميزانيات الأسر لتأمين سبل العيش، كما الحال في سورية.
الخبير الاقتصادي د. زياد عربش بين في حديثه لصحيفة “الحرية” أن منعكسات الحرب والعقوبات تتالت على سورية بتأثيراتها متعددة الأبعاد بعد عقود من فشل التنمية حيث كان النمو يعتمد على الريوع، فانهارت تراكيب مجتمعية عديدة مع وفيات بمئات الآلاف ونزوح قسري أو هرباً من واقع معيشي ضاغط لملايين السوريين فتقلصت خدمات المؤسسات الاقتصادية المقدمة للعديد من الأسر بدءاً من الدعم الى نفقات الصحة والتعليم وتعطل سلاسل الإنتاج والتعليم ودفع العائلات السورية للمزيد من الرسوم وبدل الجيش لعدد كبير منهم، ناهيك عن معاناة أقرانهم في بلاد الاغتراب واللجوء، حيث عانى قسم كبير منهم الأمرّين ما أدى إلى فقدان واسع النطاق لمصادر الدخل وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية خاصة عندما تجاوز سعر الصرف مستوى 16 ألفاً بعام 2024 ، لتجد الأسرة السورية نفسها فجأة أمام معادلة صعبة تتطلب إعادة ترتيب أولوياتها بشكل جذري للبقاء على قيد الحياة.

من أداة للتخطيط إلى وسيلة لتأمين الحد الأدنى
وأوضح عربش أن الميزانية المنزلية تحولت من أداة للتخطيط للحياة والادخار للمستقبل، إلى مجرد وسيلة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، حيث أصبح الانفاق على الغذاء يمثل 60-70% من كامل إنفاق الأسر (قبل الحرب كان 35%) ليصبح بانخفاض القيم مقتصراً على سلع رئيسية وأصبح البحث عن لقمة العيش والمأوى الآمن هو الهاجس الرئيسي، على حساب كل الإعتبارات الأخرى كالتعليم والصحة لكي لا نذكر الترفيه.
د. عربش: أي نقود فائضة تتحول إلى مواد غذائية غير قابلة للتلف
بهذا.. فرضت الحرب وما تلاها من آثار تشكيل مفهوم “الاحتياجات الأساسية” ذاته، ولتفرض واقعاً اقتصادياً قاسياً تعيش في ظله الأسر لسنوات طويلة حتى بعد انتهاء النزاع حيث لم تستطع زيادة الرواتب بنسبة ٢٠٠ بالمائة والتحويلات المالية باللحاق بالمتطلبات.
بالتالي لم تكن الحرب مجرد حدث عابر، بل كانت زلزالاً شاملاً أعاد تشكيل كل تفاصيل الحياة، وعلى رأسها ميزانيات الأسر التي تحولت إلى لوحة معقدة من الأولويات المقلوبةوالتحديات اليومية.
معايير تقليدية
وخلال حديثه أشار عربش قبل عام 2011، كانت الأسرة السورية تخطط لميزانيتها وفق معايير تقليدية تشمل الغذاء والمسكن والتعليم والادخار للمستقبل، لكن الحرب قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب مع انهيار الليرة السورية وفقدان الوظائف وتدمير مصادر الدخل، وجدت ملايين الأسر نفسها مضطرة للتعامل مع واقع جديد يقوم على مبدأ “تدبير لقمة العيش” فقط أول وأعمق تأثير كان على سلة الغذاء، حيث اضطرت الأسر إلى حذف أصناف أساسية كانت تعتبر بديهية كاللحوم والفواكه والدواجن، والاكتفاء بأقل قدر من الخبز والخضروات والبقوليات التي تمد بالطاقة بأقل تكلفة فلم يعد الحديث يدور حول التوفير أو الادخار، بل عن مهارة “تمديد” الدخل المحدود ليشمل شراء الغذاء والدواء والماء في آن معاً.
كما أدى تدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل في العديد من المناطق إلى ظهور بنود جديدة في الميزانية لم تكن موجودة سابقاً، مثل تكاليف شراء المياه الصالحة للشرب بالصهاريج، وتكاليف تشغيل المولدات الكهربائية الخاصة لتعويض انقطاع التيار لساعات طويلة، هذه البنود القسرية استنزفت جزءاً كبيراً من الدخل المنزلي، كما أن تدمير آلاف المنازل أجبر الأسر على تخصيص مبالغ طائلة للإيجارات في مناطق أكثر أماناً، أو لشراء الحد الأدنى من مواد الإيواء كالخيام والفرش لمن فقدوا منازلهم.
أما على الجانب الصحي فقد أوضح عربش أن تحول تأمين الدواء من أولوية إلى معركة يومية، خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة، حيث إن انقطاع الأدوية المستوردة وارتفاع أسعار الأنواع المحلية بشكل خيالي جعل الكثير من الأسر تختار بين شراء الدواء أو شراء الخبز، وهو خيار مستحيل بكل المقاييس.
استراتيجيات قاسية
في ظل هذا الوضع، لجأت الأسر السورية إلى استراتيجيات قاسية للبقاء، كان أولها إنهاء تعليم الأطفال، وخاصة الفتيات، وإلحاقهم بسوق العمل في مهن بسيطة أو في ورشات صغيرة لتأمين دخل إضافي، مهما كان ضئيلاً، كما تحول الادخار إلى مفهوم مقلوب، حيث لم تعد الأسر تدخر المال بل تدخر “السلع”، فأي نقود فائضة تتحول فوراً إلى مواد غذائية غير قابلة للتلف أو حتى إلى سلع معمرة خوفاً من التضخم الذي يمحو قيمة النقود بين ليلة وضحاها، وانخرطت النساء بشكل أكبر في سوق العمل غير الرسمي من المنزل، عبر إنتاج المخللات أو الحلويات أو الخياطة، للمساهمة في سد جزء من العجز.
مع مرور الوقت، شكل سقوط النظام البائد منعطفاً دراماتيكياً جديداً في معادلة الميزانيات الأسرية.
على الجانب الإيجابي
تحررت الأسر من عبء الابتزاز والأتاوات التي كانت تفرضها مجموعات مسلحة تابعة للنظام البائد، وانتهى معها الكابوس اليومي لـ”بدل” الخدمة الإجبارية التي كانت تثقل كاهل آلاف العائلات بتجميع الدولارات للدفع.
في المقابل، ظهرت بنود إنفاق جديدة لم تكن الأسر معتادة عليها بالحجم نفسه، أبرزها فاتورة الكهرباء المرتفعة جداً مقابل تحسن التغذية إلى 15-16 ساعة يومياً، كما أدى تحرير أسعار المحروقات والسلع الأساسية إلى قفزات سعرية كبيرة في الخبز والغاز، ما شكل صدمة جديدة للقدرة الشرائية وشهدت الأسواق وفرة كبيرة في السلع بعد انفتاح التجارة، لكن هذه الوفرة قوبلت بضغوط تضخمية متجددة مع ارتفاع فاتورة الاستيراد التي أعادت الضغط على سعر الصرف بعد تحسن أولي.
دور التحويلات المالية
التحويلات المالية من المغتربين بحسب عربش لعبت دوراً حيوياً في دعم ميزانيات الأسر، خاصة مع دخولها الآن عبر المصرف المركزي بدلاً من السوق السوداء، ورغم رفع الرواتب بنسبة 200% في صيف 2025، ليصل الحد الأدنى إلى حوالي 100 دولار، إلا أن هذه الزيادة بقيت غير كافية لمواكبة الارتفاعات في أسعار الخدمات والسلع الأساسية، مما جعل الأسر تعيش فجوة معيشية متنامية تنتظر معها بفارغ الصبر زيادة جديدة مرتقبة لعلها تسد جزءاً من الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة اليومية.
النتيجة النهائية أن ميزانية الأسرة السورية اليوم لم تعد تعكس أي خطط مستقبلية، بل هي مجرد انعكاس لحالة الاستنزاف اليومي، حيث يتلخص الهدف الوحيد في الوصول إلى نهاية الشهر دون خسائر فادحة، تاركة جروحاً نفسية ومادية عميقة ستحتاج لأجيال لتلتئم.