كيف تكتب روايتك؟ إليزابيث مكراكين: انس ما تعرفه!

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية ـ ت. حنان علي:
هل حلمت يوماً بكتابة روايتك الخاصة، لكنك وقفت حائراً أمام القواعد والنصائح المتضاربة؟ بعد أكثر من ثلاثة عقود ونيف في تعليم فن الكتابة الإبداعية، تقدم لنا إليزابيث مكراكين الكاتبة الأمريكية الحائزة جوائز أدبية مرموقة، رؤيةً مناقضة لكل التوقعات في كتابها (لعبة طويلة: ملاحظات حول كتابة الرواية). فهي لا تأتي بقواعد جديدة تضيفها للقائمة، بل تدعونا إلى تمزيقها برمتها، ذلك بالرغم من اعترافها بأنها غير متأكدة تماماً من مغزى الكتاب، بل وتعتبر أن النصائح المتعلقة بالكتابة “مجرد هراء”. لكنه الأسلوب الذي يعكس شخصية مكراكين المعهودة: “الحكيمة، غريبة الأطوار، والساخرة.”

اكسر الصمت بجملة فريدة

تقول مكراكين: “لا ترضَ بأن تستهلّ روايتك كما يستهلها الجميع”. إذ ترفض الكاتبة الطريقة النمطية المعتادة، وتراها جريمة بحق القارئ ووقته. فالجملة الأولى في نظر الكاتبة ليست مجرد افتتاحية، بل دعوة شخصية، همسة أو صرخة، تفتح باب عالمٍ لم يدخله أحد من قبل. قد تكون غامضة كالضباب، أو صادمة كالصاعقة، أو جميلة كاللحن الأول، “ويبقى المهم أن تحمل بصمتك وتترك أثراً”. فالبداية المبتذلة ليست سوى “فشل في الشجاعة”.

لا تكتب عما تعرفه

هنا تقلب الكاتب الأمريكية الطاولة رأساً على عقب. فالنصيحة الأكثر ترديداً تُمسي بنظرها الفخ الأكبر. “إذا كتبت ما تعرفه بالفعل، فأين التحدي؟ وما الجديد الذي ستقدمه؟” تتساءل قبل أن تكشف السر: “اكتب عما يقلقك، يثير فضولك، ويطاردك في أحلامك. اكتب عن اللغز الذي يلح عليك لفك شيفرته. فالموضوع الشخصي ليس بالضرورة ما عشته، بل ما يشغل بالك وتشعر أنك الوحيد القادر على سبر أغواره”. ذلك قبل أن تحذّر بقوة من محاولة كتابة “رواية الآخرين” لمجرد أنها قد تبدو قابلة للبيع، هذه الطريق تؤدي إلى “كتاب بلا روح”.

طموح وغرابة

“لا تنتظر! ابدأ من حيث تخاف!” ترفض مكراكين فكرة التدرج: “هذا ليس ماراثوناً يحتاج إلى تدريب مسبق. ادخل إلى قلب المشروع الكبير الذي يرعبك ويسحرك في آنٍ معاً. الطموح هو أن تسمح لنفسك بارتكاب الأخطاء. فلا يوجد كاتب عظيم لم يتعثر”. وتنصح بألا يؤجل الكاتب مشهداً لأنه يعتقد أنه “صعب تقنياً”، فهناك مشاعر وأفكار لا يمكن تصيدها إلا بمرحلة عمرية معينة من الحياة. وبدلاً من “كبت هواجسك الفريدة، احتضنها” فهذه الهواجس وفق الكاتبة الأمريكية هي الكنز الذي لا يُقدّر بثمن. ولا ينبغي للمرء أن يحاول أن يكون “طبيعياً” أو “معقولاً” أكثر من اللازم. فالشيء الغريب الذي يستهويه هو بالضبط ما سيمنح عمله نكهته الفريدة.

خرافة “الطريقة المثلى”

هنا تتحرر مكراكين تماماً من القوالب: “هل تكتب كل يوم؟ نعم إنها نصيحة رائعة لمن تناسبه”. لكنها ترفض تحويلها لعقيدة. فالحياة بظروفها – أطفال، عمل، مرض – قد تفرض إيقاعاً مختلفاً. والأهم من المواظبة اليومية هو ألا تتحول الكتابة إلى فاتورة غير مدفوعة تشعرك بالذنب. مطمئنة الكاتب المنقطع: “العودة بعد غياب قد تجعلك أقوى، كحشرة الزيز التي تخرج من الأرض بأغنية أعلى”.

هل تخطط أم تطلق العنان لأفكارك؟

ثمة من يؤثر التحرك وفق خارطة تفصيلية (أوتلاين)، وهناك من يبحر في المحيط دون بوصلة ويكتشف القارات وهو يكتب. كلتا الطريقتين صحيحتان. المهم الوصول إلى الشاطئ، بغض النظر عن شكل القارب.

كيف تُحرِّر؟

بعض الكتاب يسكبون أفكارهم بسرعة داخل مسودة أولى، قبل أن يشرعوا في التنقيح. وفيما لا تستطيع مكراكين كتابة جملة ثانية قبل أن ترضى تماماً عن الأولى: “في أعماقي، الجملة كل ما أهتم به” تقول: “الجملة طوق النجاة إلى عالم الحلم”.

حوارٌ حيوي

“الحوار الحقيقي ليس مجرد تبادل للمعلومات، فالناس يتكلمون ليفعلوا شيئاً: ليجرحوا، يقنعوا، يفتنوا…” الحوار هنا لسبر أغوار الأعماق، لا لشرحها. كما تقدم لنا مكراكين هدية تقنية: “جرب أن تحذف أدوات الربط أمثال “لأن” و”لذلك”. كي تجبر القارئ على ربط الأفكار بنفسه، وبالتالي منحه متعة الاكتشاف والقرب من الشخصيات.

الغموض:

يعرّف الغموض الذي يثري التجربة، بأنه الغموض الذي يحير الشخصيات كما يحيرنا، أو لنقل غموض الحياة ذاتها. ذلك بالتباين مع الغموض الرخيص، الذي يتضمن إخفاء المعلومة الأساسية عن القارئ بغية “التشويق”. هذا النوع، وفق مكراكين يشعر القارئ بأنه خارج الحفلة، ينظر من النافذة ولا يدري مالذي يحدث بالداخل.

اكتب بقلبك، والباقي سَيَأتي

في نهاية رحلتها، تضع مكراكين النقاط على الحروف: “القلب هو البوصلة الوحيدة التي تستحق الاتباع. فلا يمكنك أن تكتب عملاً يأسر قلوب الآخرين إن لم يلامس قلبك أولاً”.  فما لا يهم الكاتب، لن يهم القارئ أبداً. أما الشغف فهو ما ينفخ الروح بالحروف وما يلهم الصبر حين تتعثر أفكار الكاتب. فإن كنت مستعداً لكتابة روايتك؟ ابدأ من حيث أنت. اكتب بما تملك. لا تنتظر الإذن أو الكمال. فالأمر، في جوهره، ليس اتباع قواعد ثابتة، بل تحلٍّ بالشجاعة لأن تكون نفسك على الورق. وهذه، “القاعدة الوحيدة التي لا تُخترَق”.
المصادر:  مقالات في جريدة الجارديان البريطانية عن كتاب “لعبة طويلة: ملاحظات حول كتابة القصة (أو الرواية) للكاتبة إليزابيث ماكراكين، الصادر عن دار نشر جوناثان كيب

Leave a Comment
آخر الأخبار