الحرية: علي الدندح:
لحظة الإلهام هي تلك اللحظة التي يلتقي فيها الخيال بالواقع، فيبدأ الإبداع الأدبي في التكوّن. إنها حالة شعورية غامضة، حيث يتوقف الزمن الخارجي ويبدأ الشاعر في تحويل أفكاره الداخلية إلى كلمات. لكل شاعر طقوسه الخاصة التي تساهم في تفعيل اللحظة. ومن خلال تجارب بعض الشعراء، نستطيع أن نلقي نظرة أقرب لهذا الوميض في حياة المبدعين.
حالة متكاملة ولحظة مصالحة
يعتقد الكاتب عبد الله النفاخ أن الإلهام الأدبي ليس مجرد لحظة مفاجئة، بل هو حالة متكاملة تتطلب “لحظة مصالحة” بين الفكرة المبدعة والواقع. يشير النفاخ إلى أن الإلهام ليس دائمًا كافيًا لتكوين نص كامل؛ ففي كثير من الأحيان، يمكن أن يمر الإلهام على ذهن الكاتب لكنه لا يتحول إلى نص ناضج بسبب فقدان “لحظة التصالح”، وهي اللحظة التي يستقر فيها الإلهام ويتم تحويله من حالة أفكار ومشاعر إلى نص مكتمل. يضيف أن المبدع قد يفقد فرصًا كبيرة لصنع نصوص عظيمة بسبب عدم القدرة على “النزول بالإلهام إلى الواقع”. وبالتالي، يشدد النفاخ على أن الإلهام لا يأتي دائمًا في الأوقات المنتظمة أو المتوقعة، بل قد يظهر فجأة ومن دون مؤثرات خارجية، وقد يُستثار من “حالة شعورية” أو “نغمة موسيقية” أو “قراءة نص”، فهذه اللحظات قد تكون مدخلًا للإلهام الذي يفيض من النفس ليصنع الأدب.)
إذاً هي شرارة إبداعية مفاجئة، تجلٍ روحي أو فكري يحدث غالبًا وسط نشاط يومي، وتتطلب ممارسة الكتابة المستمرة لتلقيها وتحويلها إلى عمل إبداعي ملموس، وغالباً ما تتشكل من خلال طقوس خاصة أو أحداث عاطفية عميقة، ومهما كان مصدرها، فإن تحويلها إلى كتابة يتطلب الانضباط والصقل المستمر.
من مراقب للعالم إلى صانع له
يصف الشاعر مصطفى الشحود لحظة الإلهام بأنها “حالة انتقالية”، حيث يتحول المبدع من مجرد مراقب للعالم إلى “صانع له”. هذه اللحظة بالنسبة له هي “باب يُفتح فجأة” على عالم داخلي مليء بالصور والذكريات. ويقول إن هذه اللحظة تترافق مع طقوس خاصة مثل “لحظة ما قبل النوم”، حيث ينسحب العقل الواعي ليمنح المجال للخيال بالتدفق، ما يسمح للأفكار بالتشكل في صورة جمل قد “تُهمس في أذنه”. إذا لم يُدون هذه الأفكار في تلك اللحظة، فقد تتبدد كل التفاصيل بمجرد الاستيقاظ. كما يُشير إلى أن “ساعات الفجر الأولى” تمنحه صفاءً داخليًا يساهم في تشكيل الأفكار بوضوح، كما لو أن “الضوء الأول” يساعد على إضاءة العقل.
لحظة دهشة مسبوقة بشحنات نفسية
وترى الشاعرة عائشة الحطاب أن لحظة الإلهام هي “لحظة غريبة” تسبقها شحنات نفسية عميقة، وتصبح بعدها فكرة واحدة تتفرغ إلى نص شعري أو إبداعي. بالنسبة لها، الإلهام هو لحظة “دهشة”، حيث يتمكن الشاعر من “تصوير ما لا يراه الآخرون”. تكون لحظة الإلهام بالنسبة لها بمثابة “رؤية” يتمكن الشاعر من نقلها بطريقة فنية تجذب الانتباه وتترك أثراً عميقاً. هذه اللحظات قد تظهر فجأة، ويكمن سحرها في كونها غير متوقعة.
بين المشهد والومضة
يفرق الشاعر مصطفى قاسم عباس بين نوعين من الإلهام. الأول يتولد من موقف أو مشهد أو قراءة نص يُحدث تأثيرًا عميقًا في النفس، وهو إلهام مرتبط بتأثيرات خارجية قد تنتهي بلحظة إبداع فورية. أما النوع الثاني، وهو “الأشد عمقًا”، فيأتي على شكل “ومضة” فجائية قد تستمر لساعات أو شهور، وتستدعي مزيدًا من التركيز والتفاعل بين الشاعر والخيال. في هذا النوع، يتنقل الشاعر بين الصور الأدبية ويخلق نصًا “بديعًا” مليئًا بالبلاغة.
لحظة خارجة عن الزمن
الشاعرة طهران صارم تصف لحظة الإلهام بأنها “لحظة خارجة عن الزمن”، يعيش فيها الكاتب حالة من الصمت العميق والانزواء التي تُمهد لظهور النص الإبداعي. ترى أن لحظة الإلهام قد تأتي بعد “شحن نفسي عميق”، ليتم تفريغ تلك الشحنات عبر النص الإبداعي. بالنسبة لها، الإلهام ليس دائمًا مرتبطًا بلحظات انتظار أو تحضير، بل يمكن أن يظهر بشكل مفاجئ، فيخطف الشاعر من انشغالاته اليومية ويقوده إلى إنتاج نص مميز.
شفرة الاختراق إلى الإبداع
يؤكد الشاعر والإعلامي محمد نصيف أن لحظة الإلهام لا تعني أن يتحول الأديب إلى كائن غامض أو أن يعيش في حالة انفصال عن ذاته، بل هي لحظة يصبح فيها الكاتب إنسانًا مختلفًا. ففي هذه اللحظة، يشعر الكاتب بانتشاء، ويبدو وكأنه طفل سعيد. يوضح نصيف أن جميع الأدباء يشتركون في هذه الحالة، حيث يمارس كل منهم طقوسًا خاصة عند بدء الكتابة.
ويتابع نصيف قائلاً إن لحظة الإلهام تأخذ المبدع بعيدًا عن الواقع الراهن، وتدفعه للانغماس في عالم ساحر من البهجة والخيال. في هذه اللحظات، يشعر الكاتب وكأن روحه تحلق بأجنحة الخيال، كما لو كان يدخل عوالم غير مرئية أو غيبية لا يدركها إلا من يمتلك القدرة على فهم معاني الإلهام واستيعاب رموزه.
يرى نصيف أن هذه اللحظة تمثل “شفرة الاختراق” إلى عالم الإبداع والجمال، وهي لحظة يصعب وصفها أو تفسيرها بدقة، ولكنها تبقى مميزة لأولئك الذين يمتلكون مفاتيح التفرد، ليتمكنوا من التقاط الخرائط الدلالية التي تتيح لهم صناعة الجمال وخلق النصوص الأدبية الخالدة.