لماذا تغيب الأموال المحلية وتحضر الخليجية؟

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سراب علي:
يفتح تأكيد الحكومة السورية التزامها في تنفيذ المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالبنية التحتية والطاقة والمياه، الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية مع الرياض وخصوصاً بعد توقيع الحكومتين سلسلة عقود استراتيجية في مجالات حيوية، وسط ترقب واسع لتفاصيل هذه الاتفاقيات وتأثيرها على المشهدين المحلي والإقليمي.
وهذا التطور يضعنا أمام تساؤلات حول مستقبل هذه الشراكة لناحية الفوائد المحتملة للتعاون الاقتصادي؟ وكيف تؤثر في بيئة الاستثمار الإقليمية وجذب استثمارات إضافية؟ وما التحديات التمويلية الرئيسية التي قد تواجه تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى في الظروف الحالية؟ وأخيراً ما المعايير الاقتصادية التي يجب مراعاتها لضمان الجدوى والاستدامة لهذه المشاريع؟

جذب استثمارات أجنبية

في هذا الخصوص يشير أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود إلى تمكّن الحكومة السورية من جذب الاستثمارات الأجنبية بهدف تمويل عملية إعادة الإعمار، بينما بقي رأس المال السوري المحلي والمهاجر غائباً عن السوق، سواء من داخل أو خارج سوريا، وهذا التفاوت الكبير في تدفق الأموال يعكس مدى اعتماد الاقتصاد الوطني على التمويل الخارجي، حيث تعوّل القطاعات الاقتصادية السورية باختلاف أنواعها على الاستثمارات السعودية في كل مفاصل الاقتصاد السوري، حيث ستكون هذه الاستثمارات الجديدة الأكبر من نوعها، بما يفوق 40 مليار ريا ل سعودي تشمل ثمانين مشروعاً متنوعاً.
ويضيف عبود في تصريحه لـ “الحرية” : تحاول الحكومة السورية تحسين بيئة الاستثمار لجذب المغتربين، من خلال إصدار قانون جديد للاستثمار يهدف إلى حماية حقوق المستثمرين ومنح ضمانات واسعة، بما في ذلك الإعفاء الضريبي الكامل في بعض القطاعات الإنتاجية، ويعدّ هذا القانون خطوة أساسية لتشجيع المغتربين على إعادة نقل أعمالهم أو تأسيس مشاريع جديدة داخل البلاد، خصوصاً في القطاعات ذات القيمة المضافة، لكن، في الوقت الذي تضخ فيه دول الخليج العربية وخصوصاً السعودية وقطر، عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، تبقى مشاركة المستثمرين السوريين محدودة.
وبحسب عبود فإنه يمكن تفسير غياب الاستثمار السوري بمجموعة عوامل مترابطة أبرزها: ضعف البنية التحتية، وهشاشة القطاع المصرفي، وعدم وضوح البيئة القانونية للأعمال بشكل كافٍ.

عبود: استيعاب الاستثمارات يحتاج “هندسة مؤسساتية” وليس فقط أموالاً خليجية

استئناف الدعم يقابله تحديات

ويلفت عبود إلى أن الاستثمارات السعودية تأتي إلى جانب عزم السعودية وقطر على تسوية متأخرات سوريا لدى البنك الدولي والبالغة نحو 15 مليون دولار، ما سيمكّن من استئناف دعم ونشاط مجموعة البنك الدولي لسوريا، وهذا سيتيح لسوريا الحصول على مخصصات من البنك الدولي في الفترة القريبة القادمة لدعم القطاعات الملحة، إضافة إلى الدعم الفني الذي سيسهم بدوره في إعادة بناء المؤسسات وتنمية القدرات وصنع وإصلاح السياسات لدفع وتيرة التنمية.
كما يشير أستاذ العلاقات الدولية إلى مجموعة من التحديات التي قد تواجه الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد السوري، والتي تتعلق باستحقاقات لا بد أن تضعها الحكومة السورية في الاعتبار، ومن هذه التحديات، حداثة الوحدات الإدارية في مجال الاستثمار، وغياب وجود إطار واضح للحوكمة يضمن الشفافية والعدالة الجغرافية في توزيع الاستثمارات على جميع الجغرافيا السورية، بحيث تتوزع الاستثمارات في مناطق سوريا بأكملها، لتشمل المناطق التي عانت من التدمير والتخريب كافةً، لكيلا تكون هناك فجوة بين ضخ الأموال وأطر الحكم المؤسساتي اللازمة لتحويلها إلى نتائج تنموية حقيقية، وهذا ما يمثّل التحدي الأكبر أمام جهود الحكومة في إعادة الإعمار.

غياب الاستثمارات السورية

ويشير أستاذ العلاقات الدولية إلى أن الاستثمارات السعودية التي تبلغ قيمتها نحو مليارين وثمانمئة ألف دولار، ترسّخ حضور كبرى الشركات السعودية في البنية التشغيلية للاقتصاد السوري، لكن ذلك لا يخلو من بعض المخاطر التي تكتنف عملية إعادة إعمار سوريا، وأولى هذه المخاطر والتحديات يتمثّل في عدم كفاية الأموال المخصصة لإعادة الإعمار، ولا سيما في ظل عدم تجاوز الدخل القومي في سوريا 21 مليار دولار، بينما يقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، هذا غير أن رؤوس الأموال التي سوف يتم ضخها في الاقتصاد السوري من غير المعروف إن كانت ستتشارك مع جهات سورية سواء أكانت من القطاع الخاص أو العام، كما أن الشركات السعودية سوف تستثمر في قطاعات الطيران المدني والعقارات وتحلية المياه والاتصالات والبنية التحتية، أما دولة قطر فسوف تستثمر في قطاع توليد الطاقة، ومطار دمشق الدولي، واشترت حصصاً في مصرفين سوريين، في حين حصلت شركة دي بي وورلد على امتياز لتشغيل مرفأ طرطوس لمدة ثلاثين عاماً، بقيمة 800 مليون دولار، وذلك لمصلحة دولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا يعني أن أربع مجموعات لشركات خليجية ستتولى مفاصل حيوية في اقتصاد سوريا، وتشمل هذه المفاصل مطارات وموانئ وشبكة الكهرباء، والبنية التحتية للاتصالات، وشبكة المياه، والقطاع المصرفي، في ظل غياب استثمارات سورية في هذه القطاعات.

شراكة تجارية بـ 1.9 مليار دولار

من جانب آخر يشير عبود إلى رصد الاتحاد الأوروبي 620 مليون دولار لسوريا سيقدم خلال الفترة ما بين 2026- 2027، كما قدم البنك الدولي مبلغاً مقداره 146 مليون دولار لبناء محطة لتحويل الكهرباء، ويفرض البنك الدولي والاتحاد الأوروبي معايير لعمليات الشراء وقواعد لحماية البيئة، وشروطاً لمكافحة الفساد، مثل شروط صرف التمويل، في حين لا تفرض الاستثمارات الثنائية الخليجية أي شروط حتى الآن.
ويضيف إنه بالنسبة للاستثمارات التركية فهي تشغل موقعاً متميزاً في هذا السياق، فقد بلغت قيمة التجارة بين سوريا وتركيا 1.9 مليار دولار خلال عام 2025، أي بزيادة سنوية ستصل إلى 54%، وتعهدت تركيا بتزويد سوريا بـ 900 ميغاواط من الكهرباء وتشغيل خط الغاز بين كيليس وحلب، والمشاركة التركية تتم من خلال أطر تجارية، مثل إقامة لجنة اقتصادية مشتركة والدخول في مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة.

حماية قانونية وحوافز مالية

ويختم عبود بالقول إن عمليات إعادة إعمار سوريا لم تعد تتعلق بقدرة رؤوس الأموال على دخول سوريا، بعد أن رفعت جميع العقوبات عن سوريا، بل باتت تتعلق بقدرة الهندسة المؤسساتية على استيعاب تلك الأموال وفق ضوابط مثل الشراء عبر المنافسة، والشفافية في الإفصاح عن المستفيدين، ووضع قوانين مستقلة، والعدالة في التوزيع الجغرافي، والتحدي الرئيس يكمن في قدرة الحكومة السورية على خلق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال الوطنية والمغتربة، تمكنها من إعادة بناء اقتصاد مستدام ومتوازن، يقلل الاعتماد على الخارج، ويحقق التنمية المستدامة ويحافظ على استقلال القرار الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تثبت التجارب في الأردن وتركيا والسعودية ومصر أن المغترب السوري قادر على تحقيق نمو اقتصادي ملموس، سواء عبر توظيف رأس المال أو نقل الخبرة والمعرفة.
ويؤكد عبود ضرورة توفير بيئة استثمارية واضحة وشفافة داخل سوريا، مع حماية قانونية وحوافز مالية، هو المفتاح لتشجيع المغتربين على العودة والمشاركة الفعلية في الاقتصاد الوطني.

Leave a Comment
آخر الأخبار