الحرية – نهلة أبو تك:
المستثمر لا يخشى الخسارة بقدر ما يخشى غياب الضمانات عند النزاع، في تلك اللحظة تحديداً، تُقاس قوة أي سوق، هل توجد آليات سريعة وعادلة لحماية الحقوق، أم إن النزاعات تتحول إلى عبء طويل يهدد رأس المال؟
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم في سوريا، بالتزامن مع الحديث عن مرحلة اقتصادية جديدة، ومساعٍ لجذب الاستثمارات، وفي هذا السياق، يوضح نائب المفوض العام في جهة التحكيم الذكية (ISAC)، الخبير الاقتصادي محمد زياد يحيى أن التحكيم الذكي يمثل تطوراً طبيعياً لآليات التحكيم، من خلال نقلها إلى بيئة رقمية أكثر سرعة ومرونة، مشيراً إلى أن هذا النموذج يتيح إدارة النزاعات عبر منصات إلكترونية، تشمل تسجيل القضايا، وتبادل الوثائق، وعقد الجلسات عن بُعد، وصولاً إلى إصدار القرارات، بما يسهم في اختصار الزمن وتقليل التكاليف، مع الحفاظ على الأسس القانونية الناظمة.
ما المقصود بمنصة التحكيم؟
ببساطة يمكن تشبيه منصة التحكيم بأنها محكمة رقمية تُدار عبر الإنترنت، تتيح للأطراف المتنازعة تقديم قضاياهم ومتابعتها دون الحاجة إلى الحضور الفيزيائي، ويضيف يحيى: فمن خلالها يمكن تسجيل الدعوى، وتبادل الوثائق، وعقد الجلسات عن بُعد، وصولاً إلى صدور القرار، ضمن بيئة إلكترونية منظمة تحاكي إجراءات التحكيم التقليدي، لكن بسرعة ومرونة أكبر.
التحكيم أداة مكمّلة تعزز المنظومة القانونية
فالتحكيم لم يعد مجرد وسيلة إجرائية، بل بات عنصراً داعماً لبيئة الاستثمار، خاصة في النزاعات التجارية. وهو لا يلغي دور القضاء، بل يشكّل مساراً قانونياً مكمّلاً، يستند إلى اتفاق الأطراف، ويعمل ضمن الأطر التشريعية المعتمدة.
ويتميّز التحكيم الدولي بقدرته على التعامل مع النزاعات العابرة للحدود، إضافة إلى مرونته وسرعته مقارنة بالإجراءات التقليدية، ما يجعله خياراً مفضلاً لدى العديد من المستثمرين.
التحكيم الذكي.. تطوير رقمي للآليات القائمة
في هذا الإطار، يأتي التحكيم الذكي كامتداد طبيعي للتحكيم التقليدي، من خلال توظيف التكنولوجيا في إدارة النزاعات، دون المساس بجوهر العملية القانونية.
ما هي (ISAC)؟
وبحسب الطرح، تُعد (ISAC) جهة تعمل في مجال التحكيم، تتبنى نموذج التحكيم الرقمي، من خلال تقديم خدمات فض النزاعات عبر منصات إلكترونية، ضمن إطار يستند إلى قواعد التحكيم المعروفة دولياً. ولا تُعد هذه الجهات محاكم بالمعنى القضائي الرسمي، بل هيئات تحكيمية تستمد قوتها من اتفاق الأطراف، ومن الأطر القانونية التي تنظم عمل التحكيم وتنفيذ قراراته.
التنفيذ… أساس الثقة
وفيما يتعلق بقابلية تنفيذ القرارات، يوضح الخبير محمد زياد يحيى أن هذه النقطة تُعد العامل الأهم في نجاح أي نظام تحكيمي، مشيراً إلى أن فعالية التحكيم لا تقاس بسرعة إجراءاته فقط، بل بمدى إمكانية تنفيذ مخرجاته عملياً.
ويضيف إن التحكيم الدولي يستند إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958، التي تتيح تنفيذ أحكام التحكيم في عدد كبير من الدول، ما يعزز من موثوقيته، خاصة في النزاعات ذات الطابع الدولي.
سوريا… توجه قائم وفرصة مشروطة
وفي قراءة لواقع السوق السورية، يشير يحيى إلى أن طرح مفاهيم مثل التحكيم الذكي يأتي بالتوازي مع توجهات أوسع نحو التحول الرقمي وتطوير بيئة الأعمال، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس بداية اهتمام فعلي بأدوات حديثة في إدارة النزاعات.
ويرى أن وجود مثل هذه النماذج يمكن أن يشكّل عاملاً داعماً لجذب الاستثمارات، لكنه يربط نجاحها بمدى تكاملها مع الإطار التشريعي المحلي، وقدرتها على الانتقال من الطرح النظري إلى التطبيق العملي.
بين الإمكانات والتطبيق
ورغم ما يقدمه هذا النموذج من مزايا، إلا أن نجاحه يبقى مرتبطاً بمدى تكامله مع المنظومة القانونية، وقابليته للتطبيق العملي، بما يضمن تحقيق الفائدة المرجوة منه.
أثر اقتصادي يتجاوز النزاعات
ولا يقتصر دور التحكيم على حل النزاعات، بل ينعكس على الاقتصاد ككل، من خلال تحسين مناخ الاستثمار، ودعم استقرار السوق، وتعزيز فرص النمو.
مع دخول سوريا مرحلة جديدة في تطوير بيئة الأعمال، يشكل التحول الرقمي والتحكيم الذكي بداية فعلية لتعزيز الأمان القانوني وجذب المستثمرين، وبين الطرح النظري والتطبيق العملي، يمكن أن يصبح التحكيم الذكي أداة محورية لدعم استقرار السوق وتسهيل النزاعات التجارية، ما يعكس قدرة البلاد على التحرك نحو اقتصاد أكثر مرونة وشفافية.
هذه الخطوة تمثل أكثر من مجرد تحديث تقني، إنها مؤشر واعد على أن سوريا بدأت فعلياً رحلة التحول الرقمي في العدالة، بما يفتح الباب أمام فرص استثمارية أكثر أماناً وموثوقية.