الحرية – ياسر النعسان:
للجاهة سواء بالريف أو المدينة دور كبير في حل المشكلات التي تقع بين أفراد المجتمع، ما ينعكس إيجاباً على تخفيف عدد القضايا التي تحال للمحاكم، وبالتالي فمن لا يريد أن يضيع في دهاليز المحاكم يلجأ لتكليف الجاهة، ومعلوم أن انتقاء الجاهة لحل المشاكل التي يتطلب أن تكون ممن يحترمهم الطرف الآخر .
وتُعد “الجَاهة” من العادات الاجتماعية المتجذرة في الثقافة العربية، حيث تعبّر عن منظومة قيمية معقدة تجمع بين الكرم، والتضامن الاجتماعي، والوساطة، وحل النزاعات.
وتعني “الجَاهة” في مفهومها الأساسي وفداً أو جماعة من الأشخاص المحترمين مثل كبار العائلة، والأعيان، ورجال الدين، الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية، يتحركون بشكل جماعي لتحقيق غاية اجتماعية محددة، غالباً ما تكون مصالحة بين طرفين متخاصمين، أو طلب يد فتاة للزواج، أو التوسط في قضية عامة أو خاصة.
إصلاح ذات البين
حسان الجلم بين أن للجاهة جذوراً عميقة في التاريخ العربي، حيث كانت القبيلة تشكل الكيان الاجتماعي الأساسي، وكانت الحاجة ملحة لآليات تحفظ تماسكها وتُصلح ذات البين. تطور هذا العُرف ليشمل مجالات أوسع، وأصبحت الجاهة تمثل:
آلية للمصالحة، حيث تتدخل مجموعة من المحترمين لإيقاف الثأر أو إنهاء نزاع بين عائلتين أو فردين، وتقديم “الصلح” أو “الحواجة” التي قد تتضمن دية أو اتفاقاً معيناً.
أبعاد خاصة
وأشار مراد الرفاعي من جهته إلى أن عُرف الجاهة يكتسب أبعاداً خاصة تتنوع بتنوع النسيج الاجتماعي والمناطق الجغرافية للبلاد، بين الريف والمدينة، وبين مختلف الطوائف والمكونات، ففي المناطق الريفية والقبلية تحافظ الجاهة على قوتها التقليدية، خاصة في مناطق البادية والجزيرة الفراتية والساحل. تكون الجاهة هنا ذات طابع عشائري واضح، ويُحرص على أن يترأسها “المختار” أو “الشيخ” أو كبير العائلة، وتتبع أصولاً متعارفاً عليها في الخطاب واللباس والترتيب.
مشيراً إلى أنه في المدن الكبرى (دمشق، حلب) تأخذ الجاهة طابعاً أكثر “عصرية”، وقد يقل عدد أفرادها، لكنها تحتفظ بهيبتها، غالباً ما تتشكل من وجهاء الحي، أو الأصدقاء المقربين ذوي المكانة الاجتماعية أو العلمية.
ففي دمشق، على سبيل المثال، تُعرف الجاهة بخطابها المهذب والرمزي، وبتقديم القهوة العربية كطقس أساسي .
وهذا ما أكده أشرف المصري الذي أضاف إن الجانب الطقوسي في جاهة الخطبة السورية، يُصر على اختيار أشخاص ذوي سمعة طيبة. وغالباً ما يلعب “الخَطّاب” (الشخص الذي سيتكلم باسم العائلة) دوراً محورياً في صياغة الطلب بأبلغ العبارات. وقد تُرفق الجاهة بـ”النُقلة” أو الهدايا الرمزية، وكانت الجاهة أو ما يسمى أحياناً “وفد الصلح” تُشكل محكمة اجتماعية غير رسمية، ولكن ذات سلطة معنوية كبيرة، وكان نجاحها يعتمد على هيبة أعضائها وحكمتهم وقدرتهم على إقناع الطرفين بقبول “الصُلح” الذي غالباً ما يُختتم بذبيحة “وليمة صلح” و”مصافحة .”
إحياء دور الجاهة
ولفت ماهر الحلبي إلى أن تداعيات الثورة السورية (ما بعد 2011) كان لهذا تأثير متناقض. فمن ناحية، أدت الظروف الصعبة وتعطيل مؤسسات الدولة في بعض المناطق إلى إحياء دور الجاهة كآلية مجتمعية بديلة لحل النزاعات والوساطة. ومن ناحية أخرى، أضعفت الحرب النسيج الاجتماعي وهيبة الأعيان التقليديين في بعض الحالات.”
عرف اجتماعي
الاختصاصي الاجتماعي معاذ الشعباني لفت من جهته لأهمية الجاهة في حل المشكلات المتوسطة والصغرى بين الناس، علماً أن بعض الجاهات تحل مشاكل كبرى وهذا يخفف على الناس مصاريف ملاحقة القضايا بالمحاكم، وخصوصاً منهم الفقراء وصغار الكسبة، كما يزيد من اللحمة والمحبة بين الناس، لأن حل المشاكل عن طريق الجاهة غالباً ما ينتهي بـ”تبويس اللحى والشوارب” لتتحول المشاكل إلى محبة واحترام بين الناس، وتبقى “الجَاهة” عُرفاً اجتماعياً حيوياً في المتن الثقافي العربي والسوري، رغم كل التحولات. فهي ليست مجرد زيارة رسمية، بل هي تعبير ملموس عن قيمة “الوجه” أو الهيبة الاجتماعية، وعن الإيمان بقوة الجماعة والكلمة الطيبة في حل المشكلات.
وتمثل الجاهة جسراً بين الفرد والمجتمع، وبين الماضي والحاضر، وتحمل في طياتها إمكانية للحفاظ على التماسك الاجتماعي في ظل التحديات، شرط أن تتجدد وتتكيف مع معطيات العصر.