الحرية – حسيبة صالح:
أضاءت دار الأوبرا بدمشق مساءً شتويًا بليلة أندلسية ساحرة، حملت الجمهور إلى فضاءات من الشعر والموسيقى والرقص الإسباني، حيث افتتح الفنان الراقي سليمان شلبي أولى حفلاته الأوبرالية الشرقية بعنوان “روح الأندلس”. رافقته على المسرح النجمة الممتلئة رقة وحضورًا، مانو شلبي، إلى جانب الفرقة الموسيقية التي ضمت أسماء لامعة: عمار علي، جولييت جحا، نادين السمان، نور دلول، طلال غريب، محمود كنفاني، وسالمة غبرة.
امتزجت الألوان الموسيقية بين قالب “كريناكس” الإسباني ونبض الفلامينغو، لتتداخل مع الموشحات الأندلسية التي غازلت الجمهور بعمقها التاريخي ودفئها الشرقي، ثم جاء الحوار الموسيقي عبر رائعة “أنت عمري”، ليختتم سليمان شلبي الأمسية بحب للشام من خلال قصيدة نزار قباني بهذه دمشق، التي لحنها ووزعها بنفسه، لتصدح بصوت دمشقي شجي لمانو شلبي، ترافقها الفرقة الساحرة.
أوتار الفيولا
في لحظة خاصة، عزفت العازفة نور دلول سولو على آلة الفيولا، فأضفت على المسرح حالة وجدانية عميقة، تقول نور في حديثها بعد العرض:
“حين وقفت لأعزف منفردة، شعرت أنني أتنفس من خلال أوتار الفيولا. كان الجمهور صامتًا، وكأن القاعة كلها تحولت إلى قلب واحد يخفق مع كل نغمة. هذه اللحظة ستبقى محفورة في داخلي، لأنها جسدت معنى أن تكون الموسيقى لغة الروح.”
صوت الجمهور
من بين الحاضرين، التقت “الحرية” السيدة هالة، وهي من عشاق الموسيقى الأوبرالية، التي عبرت عن انبهارها قائلة:
“لم أشعر أنني في دمشق فقط، بل كأنني سافرت عبر الزمن إلى قرطبة وغرناطة. الليلة كانت لوحة فنية متكاملة، جمعت بين الشرق والغرب، وأثبتت أن الموسيقى قادرة على توحيد الأرواح.”
ما ميز هذه الأمسية لم يكن فقط الأداء الفني، بل ذلك الانسجام بين الفنانين والجمهور، حيث بدا المسرح وكأنه فضاء مشترك للفرح والدهشة. الأضواء، الأزياء، وحركات الفلامينغو أضافت بعدًا بصريًا جعل الحفل أقرب إلى عرض مسرحي متكامل، لا مجرد أمسية موسيقية.
هكذا، أثبت الفنان سليمان شلبي أن الفن ليس مجرد عزف أو غناء، بل هو طاقة قادرة على إسعاد الناس وإحياء الذاكرة الجمعية. أما مانو شلبي والفرقة الموسيقية، فقد رسموا معًا لوحة أندلسية بملامح دمشقية، لتبقى هذه الليلة علامة فارقة في سجل دار الأوبرا، وذكرى دافئة في قلوب من حضروها.