من ميونيخ إلى اختبار الاستثمار.. سوريا على مفترق اقتصاد ثقة يحول بيئة الأعمال من الانتظار إلى القرار

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

في الاقتصاد، لا تتحرك رؤوس الأموال بالتصريحات، بل بإعادة تسعير المخاطر، لذلك فإن المشاركة السورية في مؤتمر ميونيخ للأمن لا تُقرأ سياسياً فقط، بل تُفحص اقتصادياً: هل تغيّرت معادلة المخاطر في السوق السورية؟
هذا السؤال لا يخص الدبلوماسية بقدر ما يخص المستثمرين، ولا يتعلق بالصورة العامة بقدر ما يرتبط بكلفة رأس المال، وهو السؤال الذي يسبق أي قرار استثماري جاد في مرحلة إعادة التموضع الاقتصادي.
الخبير والاستشاري في الإدارة والاقتصاد الدكتور عبد المعين مفتاح يرى أن الظهور السوري في محفل دولي يبحث أمن العالم يمثل إشارة أولية للأسواق بأن البلاد تعيد تموضعها ضمن خريطة الاستقرار.
ويقول في تصريح لـ “الحرية “: المستثمر لا يضخ رأس المال قبل أن يعيد تقييم بيئة المخاطر بدقة، كلما تراجع الغموض السياسي، انخفضت كلفة المخاطرة، وبدأت القرارات الاستثمارية بالتحرك تدريجياً.

بين السياسة ورأس المال

خلال السنوات الماضية، لم تكن المشكلة في غياب الفرص الاستثمارية في سوريا، بل في ارتفاع مستوى عدم اليقين، حسب مفتاح، فالفرص كانت موجودة في الطاقة، والزراعة، والصناعة، والسياحة، لكن البيئة المحيطة بها لم تكن مستقرة بما يكفي لتشجيع رؤوس الأموال على المجازفة.
هنا يظهر مفهوم اقتصاد الثقة بوصفه مرحلة انتقالية بين الاستقرار السياسي وحركة رأس المال، فالثقة ليست خطاباً سياسياً، بل عملية تراكمية تبدأ بإشارات، ثم تتحول إلى قرارات، ثم تترجم إلى مشاريع على الأرض.
ومع أي إشارة إلى استقرار سياسي، يعاد احتساب المخاطر السيادية، وكلفة التمويل، وإمكانات الدخول والخروج من السوق. لكن هذه العملية لا تتم تلقائياً، بل تحتاج إلى عناصر داعمة تؤكد أن التحول ليس مؤقتاً.

معادلة المخاطر السيادية

يشير مفتاح إلى أن المستثمر الأجنبي، وحتى المحلي، ينظر أولاً إلى ما يسمى “المخاطر السيادية”، أي قدرة الدولة على توفير بيئة مستقرة قانونياً ومؤسساتياً، وانخفاض هذه المخاطر يعني عملياً: انخفاض كلفة التمويل، وتحسن شروط الشراكات، وارتفاع قابلية السوق لاستقبال الاستثمارات طويلة الأجل.
لكن هذه المعادلة لا تتغير بحدث واحد، بل بسلسلة إجراءات متراكمة، ويؤكد مفتاح أن الرسائل الدبلوماسية الإيجابية مهمة، لكنها تبقى إطاراً عاماً ما لم تُستكمل بإصلاحات تنفيذية واضحة.
“فالقانون حين يكون ثابتاً وواضحاً، تصبح المخاطرة محسوبة لا مفتوحة”، يقول مفتاح مضيفاً أن المستثمر يبحث عن يقين تشريعي قبل أن يبحث عن أرباح.

الاختبار الحقيقي

التحدي اليوم، كما يراه مفتاح، ليس في تحسين الصورة الخارجية، بل في تحسين بيئة الأعمال في سوريا بشكل ملموس، فالسوق لا يتحرك بالانطباعات، بل بقواعد تشغيل واضحة، لذلك يحدد مفتاح أربعة عناصر أساسية تعيد تشكيل بيئة الاستثمار في سوريا:
أولاً : استقرار تشريعي ممتد زمنياً لا يتغير بتبدل الظروف.
ثانياً : نظام مصرفي أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة.
ثالثاً : قضاء اقتصادي متخصص يحسم النزاعات بكفاءة.
رابعاً: إدارة مختصرة ورقمية تقلل زمن وتكلفة الإجراءات.
وليست رقمنة المعاملات، بحسب رؤيته، ترفاً إدارياً، بل أداة لخفض كلفة المخاطرة غير المباشرة، فكل يوم تأخير في الترخيص أو الموافقة يضيف عبئاً مالياً على المشروع، ويقلل جاذبية السوق، لذلك تحديث القوانين الاقتصادية وتثبيتها لفترات طويلة يمنح المستثمر شعوراً بالاستقرار، ويحوّل بيئة الأعمال من بيئة انتظار إلى بيئة قرار.

من الإشارة إلى التنفيذ

المرحلة الحالية تتطلب، وفقاً لـ”مفتاح”، الانتقال من إشارة طمأنة إلى “برنامج إصلاحي واضح”، وهنا يبرز دور الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ليس فقط في التمويل، بل في صياغة السياسات الاقتصادية ذاتها، فالقطاع الخاص، المحلي تحديداً، هو أول من يختبر جدية التحول، وإذا شعر المستثمر الوطني بانخفاض ملموس في التعقيد الإداري وارتفاع مستوى اليقين القانوني، فإن ذلك سيشكل رسالة أقوى من أي خطاب خارجي، فالتعافي الاقتصادي في سوريا، وفق هذا المنظور، يبدأ من الداخل قبل أن يُقاس من الخارج.

قطاعات على خط الانطلاق

في حال اقترنت الإشارات السياسية بإصلاحات تنفيذية، فإن عدداً من القطاعات الاقتصادية في سوريا يمكن أن يقود مرحلة نمو تدريجية، يعددها مفتاح:
1- الطاقة: لأنها تؤثر مباشرة في تكاليف الإنتاج الصناعي، وأي استقرار فيها ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي.
2- الإعمار والإنشاءات: قطاع قادر على خلق فرص عمل واسعة وتحريك سلاسل توريد متعددة، ما يجعله رافعة سريعة للتعافي الاقتصادي.
3- الاتصالات والتحول الرقمي: أساس بناء اقتصاد حديث، ويشكل مدخلاً لتقليل الكلفة وتحسين الكفاءة في مختلف القطاعات.
4- السياحة: قطاع يرتبط بتحسن الصورة الذهنية والاستقرار، ويمكن أن يستعيد نشاطه بسرعة إذا توفرت بيئة خدمية وتنظيمية مستقرة.
وهذه القطاعات لا تحتاج فقط إلى حوافز ضريبية، بل إلى وضوح في الرؤية الاقتصادية العامة، وإلى سياسة مستقرة لا تتغير فجأة.

اختبار الداخل قبل الخارج

في النهاية، لا يكفي أن تُرسل إشارات طمأنة إلى الأسواق الدولية، بل يجب أن تتحول هذه الإشارات إلى إصلاحات قابلة للقياس داخل السوق المحلية.
“الاستقرار السياسي يفتح الباب، لكن الإصلاح الاقتصادي هو من يسمح بالدخول”، يختم مفتاح، مشيراً إلى أن تثبيت القوانين، جذب التكنولوجيا، توسيع أدوات التمويل، وتسريع الإجراءات تمثل مفاتيح الانتقال من مرحلة الترقب إلى مرحلة الاستثمار.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار