الحرية-بقلم يسرى المصري:
هل سمعتم عن مصطلح اقتصادي جديد يُقال له “جيب المواطن”؟ نفترض أنه مؤشر على مدى ازدهار الحالة المعيشية للمواطن.. لكن كيف الحال مع “وفرة السلع” التي تتزامن مع “عجز شرائي حاد”؟ في هذه الحالة، ينخفض المؤشر إلى درجات قياسية، ويصبح المشهد الاقتصادي كاملاً بحاجة إلى قراءة جديدة.
رمضان شهر الخير.. شهر مبارك. ويتميز مؤشر اقتصاد رمضان الفريد من نوعه بأنه “الاقتصاد التكافلي المؤسساتي”، وهو ليس بديلاً عن اقتصاد السوق، ولا عن دور الدولة، بل هو “طبقة حماية إضافية” تعزز صمود المجتمع في وجه الصدمات. وفي حالتنا السورية، حيث ترى المرجعيات الاقتصادية الإحصائية غير الرسمية أن 90 بالمئة من السكان يحتاجون إلى المساعدة، وتستمر عودة اللاجئين إلى منازل دمرتها الحرب، قد يكون هذا النموذج الهجين هو السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة تأهيل الاقتصاد الوطني على أسس أكثر عدالة واستدامة. رمضان في سوريا لم يعد مجرد شهر للصيام والعبادة فقط، بل تحول إلى مؤشر سنوي لقياس مدى قدرة المجتمع على استيعاب الصدمات وتحويلها إلى فرص لإعادة البناء.
يمثل شهر رمضان هذا العام 2026 ظاهرة اقتصادية-اجتماعية تستحق التأمل النظري الرصين. فبعد خمسة عشر عاماً من الحرب، وتحديداً في مرحلة ما بعد التحرير من النظام البائد، يتحول الشهر الفضيل إلى مختبر حقيقي لاختبار فرضيات جوهرية في اقتصاديات الأزمات والتنمية. الأسئلة الملحة والعاجلة: كيف يمكن للمجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية هيكلية وتحتاج إلى إعادة الهيكلة المؤسسية أن تنتج آلياتها التكافلية الخاصة؟ وكيف تتفاعل قوى السوق مع غياب الاستقرار النقدي والمؤسسات الرقابية الفاعلة؟
المشهد الاقتصادي السوري الراهن يحاول الخروج من نموذج “اقتصاد الصدمة المركبة”، حيث تتداخل تداعيات تحولات مرحلة الانتقال إلى السوق الحر مع تفاقم أزمة الأمن الغذائي العالمية. ووفقاً لبيانات برنامج الأغذية العالمي، الذي يلفت إلى أن سوريا تعاني من تضخم غذائي ثلاثي الأرقام بلغ 105 بالمئة، فإن المفارقة أن دخل الأسرة السورية لم يعد يغطي اليوم سوى ربع الاحتياجات. وفي هذا السياق، نعود إلى سيناريو الخروج من الصدمة عبر استنباط الحلول من الاقتصاد التكافلي الذي يمكن أن نطلق عليه أيضاً اقتصاد رمضان.. نقدم قراءة تحليلية نقدية للأبعاد الاقتصادية لرمضان 2026، مركزين على ثلاثة متغيرات رئيسية، وهي..أنماط الاستهلاك المتغيرة في بيئة التضخم الجامح، ودور المبادرات الاجتماعية كشبكة أمان غير تقليدية، وفاعلية التدخلات التجارية في ضبط الأسواق.
السيناريو الأول.. تحول أنماط الاستهلاك من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد الصمود الجزئي، والذي يبدو وكأن المؤشر الأكثر دلالة على عمق الأزمة ليس ارتفاع الأسعار بحد ذاته -وإن كان 105 بالمئة تضخماً غذائياً رقماً استثنائياً- بل التحول النوعي في سلوك المستهلك السوري. فمع استمرار تذبذب سعر الصرف والعمل على استقرار القوانين المنظمة للاستثمار، يتحول المواطن إلى “وكيل اقتصادي اضطراري” يتخذ قرارات آنية للبقاء، وليس للتخطيط طويل الأجل.
هذا الواقع أنتج ظاهرة “التشرذم الاستهلاكي”، حيث يتحول الشراء من التموين الموسمي -الذي كان تقليداً متعارفاً عليه عند السوريين- إلى الشراء بالأوقية أو القطعة الواحدة. من منظور نظرية الاقتصاد الجزئي، هذا يعني أن مرونة الطلب السعرية أصبحت شبه معدومة بالنسبة للسلع الأساسية؛ فالمواطن يشتري ما يلزمه ليومه فقط، لأنه ببساطة لا يملك القدرة على تخزين القيمة النقدية التي تتآكل يومياً. تشير المنظمات الإنسانية إلى أن 90 بالمئة من السوريين يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة خلال رمضان هذا العام.
التقارير الميدانية من المحافظات السورية ترصد مفارقة كلاسيكية من مفارقات اقتصادات الصدمات: “وفرة السلع” تتزامن مع “عجز شرائي حاد”. فبينما تملأ المنتجات المستوردة والمحلية الرفوف في مهرجانات “رمضان الخير”، تبقى القدرة الشرائية للغالبية العظمى من المواطنين عند أدنى مستوياتها. تعكس هذه الفجوة نظرية “الازدواجية الاقتصادية القسرية”، حيث يتعايش قطاع يخدم النخبة المقتدرة -ولو كانت ضئيلة- مع قطاع واسع من الفقراء الذين باتوا خارج دائرة السوق الرسمي، ومعتمدين بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية والسلال الغذائية.
كما نقرأ في الاقتصاد التكافلي في رمضان، المبادرات الاجتماعية كشبكة أمان، ويمكن اعتبارها حالة نضوج للاقتصاد التكافلي المؤسساتي، خاصة في حالات ضعف شبكات الأمان للمنظمات الرسمية الفاعلة. هنا تبرز المبادرات الاجتماعية كنموذج متطور للاقتصاد التكافلي، الذي يعيد تعريف آليات إعادة التوزيع. فمنظمات الإغاثة الإنسانية لم تعد تكتفي بالتدخلات العشوائية، بل تحولت إلى مؤسسات فاعلة تعتمد على قواعد بيانات دقيقة وآليات توزيع احترافية.
بعض المنظمات الطبية تقدم نموذجاً مثيراً للاهتمام، حيث وسعت برامجها الصحية خلال رمضان 2026 لتشمل الرعاية التلطيفية لمرضى السرطان، ودعم صحة الأم والطفل، والخدمات الجراحية، إضافة إلى العيادات المتنقلة. هذا التحول من “الإغاثة الطارئة” إلى “التنمية الصحية المستدامة” يعكس نضوجاً في العمل الأهلي السوري. كما أن برنامج “سوريا 2030 للصحة” يجمع بين الاستجابة العاجلة وإعادة بناء النظام الصحي، وهو ما يمثل استراتيجية تنموية طويلة الأجل وليس مجرد تدخل موسمي، وهذا ما نحتاجه خلال مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وهذا ما يستحق التحليل الدقيق لاحترافية هذه المبادرات التي نجحت في الانتقال من “العشوائية العاطفية” إلى “العمل الخيري المؤسساتي القائم على تقييم الاحتياج الفعلي”. ذلك تطور نوعي يقلل من تكاليف المعاملات ويزيد من كفاءة التوزيع، ويمكن اعتباره نموذجاً مصغراً لـ”اقتصاد الرفاه الموازي” الذي يبنيه المجتمع والمجتمع الدولي معاً.
أيضاً، تستمر مبادرات مثل “مطابخ الخير” في أدوارها، ولكن بشكل أكثر تنظيماً. تشير تقارير ميدانية إلى أن توزيع وجبات الإفطار في سوريا يكلف حوالي 4 دولارات للوجبة الواحدة، و20 دولاراً للعائلة، و1000 دولار للإفطار المجتمعي الكامل. هذا التسعير الدقيق يعكس تحول العمل الخيري إلى “اقتصاد خدمات إنسانية” قائم على دراسات جدوى وتكاليف حقيقية.
في الجانب الرسمي، تمثل مهرجانات “رمضان الخير” التي انطلقت في شباط 2026 في بعض المحافظات بمشاركة شركات سورية، محاولة جادة لـ”تقصير حلقات الوساطة” بإشراف مجالس المدن وغرف التجارة والصناعة على هذه المهرجانات، وذلك بهدف خلق سوق موازٍ أكثر تنافسية يمكن أن يمارس ضغطاً هبوطياً على الأسعار.
من منظور مؤشر جيب المواطن، تحقق هذه الفعاليات معادلة مهمة.. فهي تكسر جزئياً هيكل السوق الاحتكاري الذي يسيطر عليه تجار الجملة، وتتيح للمنتجين المحليين الوصول المباشر إلى المستهلك، وتحقق التفاعل المباشر مع الشركات المشاركة بما يسمح للزوار بالاستفادة من العروض الخاصة والخصومات الكبيرة التي يقدمها المنتجون والموردون مباشرة. هذا يحسن نظرياً “فائض المستهلك” ويدعم المنتج الوطني في آن معاً.
لكن التحليل النقدي يفرض علينا التساؤل: هل يمكن لمثل هذه التدخلات الموسمية أن تعالج خللاً هيكلياً يمتد لعقود؟ يبقى التحدي الأكبر في استمرار غياب آليات الرقابة الفاعلة على المدى البعيد. من منظور نظرية الاختيار العام، لا يزال التجار يعتبرون رمضان “فرصة ريعية” لاستغلال الطلب غير المرن لتحقيق أرباح استثنائية.
يرى البعض أن السوق في غياب مؤسسات رقابية قوية -وهو أمر متوقع في مرحلة انتقالية- يظل عرضة لتحولات “سوق الليمون” على طريقة أكيرلوف، حيث يطرد البائع السيئ البائع الجيد، وتنخفض الجودة وترتفع الأسعار. لذلك لابد من دعوات تفعيل أدوات الضبط والتسعير الموحد التي أطلقتها غرف التجارة والصناعة، على ألا تكون مجرد شعارات، بل ضرورة لتصحيح إخفاقات السوق.
وإذا كانت الحكومة تتجه نحو بناء اقتصاد السوق، فهذا لا يعني أن عليها التخلي عن دورها كحارس أمين للسوق، بل مضاعفة جهودها لحماية المستهلك من الاحتكار وجشع البعض. وإلا فإن “جيب المواطن” قد يتحول إلى “جيب الأغنياء” حيث البقاء للأقوى، وليس للأكفأ.
هذا الشهر الفضيل.. رمضان 2026 في سوريا يقدم لنا نموذجاً فريداً للتكيف الاقتصادي في مرحلة الانتقال نحو التعافي الاقتصادي. والمجتمع السوري، بمؤسساته الأهلية ومنظماته الإنسانية، وبعض مبادرات القطاع الخاص، يتحمل مسؤولية صنع “اقتصاد هجين” يمزج قيم التكافل مع آليات العمل المؤسساتي الحديث، لتخفيف الأعباء عن الفقراء إلى حد بعيد. لكن التحدي يبقى في كيفية وضع سياسات لرفع مؤشر جيب المواطن بما يضمن مستوى معيشياً يحقق الكرامة الاقتصادية.