الحرية – ميسون شباني:
بهدوء يشبه الإذاعة التي أحبّها، رحل المخرج والإذاعي مازن لطفي، تاركا خلفه إرثاً طويلاً من الحكايات التي سكنت آذان المستمعين وذاكرتهم.
لم يكن مجرد اسم عابر في سجل الإعلام، بل كان أحد الذين منحوا الصوت حياة، وجعلوا من الأثير مسرحاً واسعاً للخيال.
وُلد في دمشق عام 1941، وبدأ مسيرته المهنية في إذاعة دمشق عام 1972، قبل أن ينال عضوية نقابة الفنانين في سورية ولبنان عام 1973، ليشق طريقه بثبات في عالم الإخراج الإذاعي، المجال الذي اختاره فضاء للإبداع والتجريب.
على مدى أكثر من خمسة عقود، ظلّ لطفي وفياً لهذا العالم، مخرجاً ومبتكراً، راكم ما يقارب 16 ألف ساعة من الدراما الإذاعية، في رقم يكشف حجم الشغف بقدر ما يعكس التفاني. لم يكن الإنتاج عنده مجرّد كثافة، بل كان مشروعا قائما على الإتقان، وعلى الإيمان بأن الصوت قادر وحده على بناء عوالم كاملة.
في أعماله، بدا واضحاً انحيازه للخيال والمعرفة معاً. من “حكايات من المجهول” الذي حمل سابقاً اسم “ظواهر مدهشة”، إلى “صوت في الذاكرة” الذي أعاد فيه الاعتبار لسير الفنانين الرواد، ظلّ وفياً لفكرة أن الإذاعة ليست وسيلة ترفيه فحسب، بل أرشيف حيّ للذاكرة الإنسانية. وقد نال هذا التوجّه تقديراً واسعاً، تُوّج بعدة جوائز، من بينها ثلاث جوائز في مهرجان القاهرة عام 2008 عن “صوت في الذاكرة”.
امتدت تجربته خارج حدود الإذاعة السورية، فحمل صوته إلى محطات عربية أخرى، وأخرج أعمالاً تنوّعت بين البرامج والدراما التلفزيونية، مثل “أيام رمضانية” و”أصداء قلب’، حيث مزج بين الحس الدرامي والتوثيق الثقافي، مقدّماً نماذج مختلفة في السرد الفني.
ولم يغب عن السينما، فكانت له مشاركات في أفلام مثل “الغجرية العاشقة” و”المرابي” و”غزلان”، في حضور يؤكد تعددية اهتماماته الفنية، وإن ظلّ الصوت مجاله الأثير.
حصد خلال مسيرته جوائز عديدة، من أبرزها الجائزة الذهبية في مهرجان تونس عام 1986، إلى جانب جوائزلا والله مابعرف الإبداع في مهرجان القاهرة للإعلام العربي، التي رافقت أعماله في أكثر من محطة، مؤكدة مكانته كأحد رواد الإخراج الإذاعي في العالم العربي.
وقد نعت نقابة الفنانين في دمشق الراحل، الذي غيّبه الموت عن عمر ناهز 85 عاماً، مستذكرة مسيرته الغنية وما تركه من أثر في وجدان المستمعين وزملائه.
برحيل مازن لطفي، لا تفقد الإذاعة صوتاً فقط، بل تفقد زمناً كاملاً من الشغف والعمل، زمناً كانت فيه الحكاية تُروى عبر الأثير، فتُرى بالخيال وتُحفظ في القلب.