الحرية- مها يوسف:
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، ولاسيما ما يتعلق بتآكل القيمة الشرائية واضطراب النظام النقدي، يبرز خيار إعادة إصدار العملة الوطنية عبر حذف صفرين من قيمتها الاسمية كإجراء نقدي مطروح على جدول السياسات الاقتصادية، ويرى الدكتور رياض الأشتر أستاذ التجارة الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن هذه الخطوة تحمل أبعاداً تنظيمية وفنية مهمة، لكنها تبقى إجراءً تقنياً محدود الأثر ما لم تُدرج ضمن إطار إصلاحي شامل يعالج اختلالات الاقتصاد الحقيقي ويعيد بناء الثقة بالعملة الوطنية.
العملة الجديدة وتأثيرها الاقتصادي
يوضح الدكتور الأشتر أن حذف الأصفار يهدف من حيث المبدأ، إلى تبسيط العمليات الحسابية والمحاسبية، وتحسين كفاءة نظم الدفع والتسعير، والحد من التشوهات الاسمية الناتجة عن التضخم المرتفع، إلا أن هذا الإجراء لا يشكل أداة نمو اقتصادي بحد ذاته، إذ لا يؤدي تلقائياً إلى زيادة الإنتاج أو تحفيز الاستثمار أو تعزيز الصادرات، ما لم يترافق مع تحسن ملموس في أساسيات الاقتصاد الحقيقي، كرفع الإنتاجية وزيادة الناتج وتحسين بيئة الأعمال.
خبير اقتصادي: الاختبار بقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة
شروط الاستقرار النقدي
ويؤكد الدكتور الأشتر أن استقرار العملة الجديدة أمام الدولار يتطلب توافر حزمة متكاملة من الشروط، في مقدمتها الانضباط المالي والحد من تمويل العجز عبر الإصدار النقدي، واعتماد سياسة نقدية مستقلة وشفافة تركز على استقرار الأسعار، كما يشدد على أهمية توافر احتياطات كافية من القطع الأجنبي، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وضبط التوقعات التضخمية من خلال مصداقية القرار النقدي، وفي غياب هذه المقومات، تصبح العملة الجديدة عرضة للمضاربات، وقد تتحول عملية حذف الأصفار إلى مجرد إعادة ترقيم للأزمة.
الأسعار والقوة الشرائية
يشير الدكتور رياض الأشتر إلى أن حذف الأصفار من العملة، من الناحية النظرية لا يؤدي بحد ذاته إلى التضخم، إلا أن التطبيق العملي قد يشهد بعض الزيادات السعرية الانتهازية الناتجة عن التقريب السعري أو ضعف الرقابة، كما قد يتعرض المواطنون لتآكل مؤقت في القوة الشرائية إذا لم تُعدل الأجور والدخول اسمياً بشكل متزامن، إلى جانب حالة من الارتباك السلوكي خلال الفترة الانتقالية.
ويؤكد الأشتر أن حجم التأثير النهائي على الأسعار والقوة الشرائية يتوقف بشكل مباشر على آلية التنفيذ ومستوى الثقة وفعالية الرقابة على الأسواق.
الإصلاحات المطلوبة
ويرى الدكتور الأشتر أن نجاح إعادة إصدار العملة يتطلب أن تكون جزءاً من مسار إصلاحي أوسع، يشمل إصلاح المالية العامة وتوسيع القاعدة الضريبية بعدالة، ودعم القطاعات الإنتاجية ولاسيما الزراعة والصناعة والتصدير، وتحسين مناخ الاستثمار وحماية حقوق الملكية، إضافة إلى إعادة هيكلة الدعم ليكون أكثر استهدافاً وكفاءة، وتعزيز الشفافية ودور المؤسسات الاقتصادية، ومن دون هذه الإصلاحات، ستبقى العملة الجديدة أداة شكلية محدودة التأثير.
بناء الثقة بالعملة
ويشدد الدكتور الأشتر على أن الثقة بالعملة لا تُبنى بقرار إداري، بل عبر وضوح أهداف السياسة النقدية والتواصل المستمر مع الجمهور، والتزام الحكومة بعدم اللجوء إلى التمويل التضخمي، وتحقيق استقرار نسبي في الأسعار وسعر الصرف، إلى جانب إشراك القطاع الخاص في صياغة السياسات الاقتصادية، وتحقيق نتائج ملموسة في كبح التضخم خلال الفترة الأولى بعد الإصدار.
الاختبار الحقيقي بعد الإصدار
ويخلص الدكتور رياض الأشتر إلى أن الاختبار الحقيقي لإعادة إصدار العملة الوطنية لا يرتبط بشكلها أو بعدد الأصفار المحذوفة، بل بقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة حقيقية، وتحقيق استقرار مستدام في الأسعار، وتحسين الدخل الحقيقي للمواطنين، والحد من ظاهرة الدولرة لصالح تعزيز استخدام العملة الوطنية في المعاملات اليومية، وفي هذا السياق، فإن حذف صفرين من العملة يُعد خطوة تقنية ضرورية لتحسين كفاءة النظام النقدي وتنظيم التعاملات، لكنه يبقى إجراءً غير كافٍ لمعالجة جذور الأزمة الاقتصادية ما لم يُدعّم بإصلاحات هيكلية عميقة تعالج العجز والتضخم وضعف الإنتاج، فنجاح هذه الخطوة مرهون باستعادة الثقة وتحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد، لأن قوة العملة ليست قراراً نقدياً بحتاً، بل انعكاس مباشر لقوة الاقتصاد وقدرته على الإنتاج والنمو.