الحرية – أمين سليم الدريوسي:
عقب إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، صدرت تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا فيها شركات النفط الأمريكية لضخ مليارات الدولارات في فنزويلا، ارتفعت أسهم كبرى هذه الشركات لتكون مؤشراً على شهية استثمارية محتملة، لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي، فصناعة النفط الفنزويلية التي تملك أكبر احتياطي مؤكد في العالم، تعاني من تدهور بنيوي حاد بعد سنوات من سوء الإدارة والعقوبات الدولية، إذ انخفض الإنتاج من 3.5 ملايين برميل يومياً في التسعينيات إلى حوالي 800 ألف برميل حالياً، بينما تتطلب البنية التحتية المتداعية استثمارات لا تقل عن 58 مليار دولار للتحديث.
إرث تشافيز.. كيف غيّر التأميم قواعد اللعبة
من هنا لا يمكن فهم المشهد النفطي الفنزويلي الحالي من دون العودة إلى «ثورة» الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز التي لم تكن مجرد تغيير في ملكية الأصول، بل نقلة في فلسفة إدارة الثروة الوطنية، فمنذ وصوله إلى السلطة عام 1999، أطلق تشافيز رؤيته «للاشتراكية البوليفارية» التي جعلت النفط أداة للسياسة الخارجية والعدالة الاجتماعية، متحدياً النموذج التقليدي للطاقة العالمي.
في عام 2001، رفع قانون الهيدروكربونات الجديد ضرائب الإتاوة على الشركات الأجنبية من 1% إلى 16.6%، ثم في 2007 أجبرت الحكومة جميع الشركات الدولية على الدخول في مشاريع مشتركة تهيمن عليها شركة النفط الحكومية «PDVSA» بنسبة لا تقل عن 60 بالمئة، محولةً دور الشركات الأجنبية من مالكين إلى شركاء تقنيين، هذا التحول كان إعلاناً عن استعادة السيادة الوطنية على الموارد، وأدى إلى صدام مباشر مع واشنطن.
هنا تباينت استراتيجيات الشركات الدولية، إذ اختارت «شيفرون» البقاء والتكيف، بينما انسحبت «إكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس» ولجأتا إلى القضاء، فيما تفاوضت «توتال» و«ستات أويل» على صفقات وسيطة قبل أن تنسحبا لاحقاً، لكن إرث تشافيز لم يكن اقتصادياً فقط، بل إدارياً وثقافياً أيضاً، إذ تم تسييس «PDVSA» وتحويلها إلى محرك للبرامج الاجتماعية، ما تسبب في هجرة الكفاءات التقنية وتراجع القدرة التشغيلية حتى اليوم.
كما ألهم نموذج تشافيز دولاً أخرى في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وأرسى قيوداً دستورية تعتبر النفط ملكاً للأمة ولا يجوز خصخصته،مما يجعل العودة الكاملة للنموذج القديم شبه مستحيلة، واليوم، ورغم التحديات، يبقى هذا الإرث حاضراً بقوة، إذ تشكل المطالبات التعويضية والهيكل القانوني المعقد عقبات أمام أي إعادة إدماج سلسة للشركات الدولية.
«أورينوكو».. الثروة الثقيلة المحتجزة في أعماق «القار»
يتركز نحو 70% من احتياطي فنزويلا النفطي المؤكد في حزام «أورينوكو»، لكن هذه الثروة محاصرة داخل خام ثقيل وكثيف يشبه «القار»، بكثافة بين 8 و10 درجات على مقياس «API» مقارنة بـ35 للنفط الخفيف، ما يجعله صعب التدفق ويحتاج تقنيات متطورة ومكلفة لاستخراجه ومعالجته.
هنا عملية الإنتاج تكون معقدة، إذ تتطلب حفر آبار أفقية وحقن بخار عالي الحرارة لتسييل الخام، إضافة إلى وحدات خلط خاصة لمزجه بسوائل أخف ليصبح قابلاً للنقل، هذه المراحل تستهلك طاقة هائلة وتحتاج بنية تحتية متكاملة، فتكلفة استخراج البرميل تتراوح بين 25 و40 دولاراً مقابل 10 إلى 20 للنفط التقليدي، ما يجعل المشاريع حساسة لتقلبات الأسعار.
رغم ذلك، يتميز «أورينوكو» ببنية جيولوجية مستقرة وتوافق مع مصافي ساحل الخليج الأميركي المصممة للنفط الثقيل، إضافة إلى خبرات تراكمية لدى شركات مثل «شيفرون».
ومن أبرز المشاريع التي تحتاج إحياء حقل «بيترو-بيريا» الذي بلغ إنتاجه 180 ألف برميل يومياً، مشروع «سييرو نيغرو» السابق لـ«إكسون موبيل»، ومنشآت خلط «خوسيه» التي تعمل بأقل من 30% من طاقتها.
وكما يقول الخبير كارلوس بالاسيوس: «أورينوكو مثل منجم ذهب في قاع بحيرة عميقة». الوصول إليه يتطلب استثمارات وتقنيات ضخمة، وقد يصبح غير مجدٍ مع أي انخفاض في الأسعار، لذلك فإن إحياء إنتاج فنزويلا من هذا الحزام يحتاج ما بين 5 و7 سنوات واستثمارات تتراوح بين 50 و60 مليار دولار لاستعادة مليون برميل يومياً فقط، ما يجعله تحدياً تقنياً وزمنياً في مواجهة أسواق الطاقة المتغيرة.
«شيفرون» في المقدمة.. أفضلية مشروطة
تحظى شركة «شيفرون» الأمريكية بوضع استثنائي في فنزويلا لتوسيع الإنتاج بسرعة إذا سمحت الظروف، بفضل إعفاءات وزارة الخزانة الأمريكية التي سمحت لها بالعمل رغم العقوبات، ما جعلها الشركة الدولية الوحيدة ذات الوصول المباشر للسوق، وقد حافظت على وجودها عبر مشاريع مشتركة مثل «Petropiar» و«Petroboscan»، مستفيدة من البنية التحتية القائمة وخبرتها الطويلة.
لكن هذه الأفضلية تبقى محدودة، فالمخاطر السياسية والقانونية تفرض الحاجة إلى ضمانات واضحة، وعدم الاستقرار يجعل أي خطط طويلة الأمد محفوفة بالمخاطر، كما أن زيادة الإنتاج من 150 إلى 200 ألف برميل يومياً تتطلب استثماراً يقدر بملياري دولار، وهي زيادة متواضعة مقارنة بالإمكانات الهائلة للحقول، إضافة إلى ذلك، فإن وضعها يعتمد على العلاقات الأمريكية–الفنزويلية، ما يجعلها عرضة لتقلبات السياسة الخارجية.
لذلك فإن وضع شيفرون يعكس صورة أوسع عن الاستثمار في فنزويلا: إذا مضت باستثمارات كبيرة فسيكون ذلك إشارة للأسواق العالمية، أما ترددها رغم امتيازاتها فيؤكد أن المخاطر تتجاوز العقوبات وحدها، وهذا النموذج من «الأفضلية المشروطة» قد يصبح أكثر شيوعاً في أسواق النفط ذات المخاطر الجيوسياسية العالية.
«إكسون» و«كونوكو فيليبس».. ومطالب التعويضات
أما شركتا «إكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس» فتواجهان عقبات عميقة تحول دون عودتهما إلى فنزويلا، أبرزها الإرث القانوني الناتج عن مصادرة مشروع «Cerro Negro» عام 2007، وما تبعه من دعاوى بمطالبات مالية ضخمة بلغت نحو 18.5 مليار دولار، هذه القضية لم تعد مجرد خلاف مالي، بل أصبحت رمزاً لانعدام الثقة بين الطرفين.
العقبات لا تقتصر على القانون، بل تشمل رفض الشركتين لنموذج المشاريع المشتركة الذي تهيمن عليه شركة النفط الحكومية «PDVSA»، إذ تفضلان عقود المشاركة في الإنتاج التي تمنحهما سيطرة تشغيلية أكبر، كما أن الذاكرة المؤسسية للتجربة المريرة السابقة تخلق حاجزاً نفسياً، فيما تجعل أولويات التحول الطاقوي العالمي فنزويلا لأقل جاذبية مقارنة بمناطق أكثر استقراراً.
والسيناريوهات المحتملة تتراوح بين تسوية شاملة تشمل ضمانات دولية، وهو احتمال ضعيف في المدى المتوسط، أو عودة محدودة عبر مشاريع جديدة منفصلة عن الماضي، أو دخول غير مباشر عبر شراكات وسيطة. لكن جميعها تبقى رهينة بتغيرات سياسية واقتصادية جذرية داخل فنزويلا.
ومع ذلك فإن تردد «إكسون» و«كونوكو» يرسل إشارة سلبية للمستثمرين الآخرين ويؤخر إعادة إعمار قطاع النفط الذي يحتاج خبراتهما وتقنياتهما.
حجم التدهور.. أكثر من مجرد تحديات صيانة
تواجه فنزويلا في بنيتها النفطية انهياراً شبه كامل، فشبكة الأنابيب المتهالكة منذ السبعينيات تعاني تسربات تصل إلى 15%، ما يسبب خسائر اقتصادية وكوارث بيئية، فيما تعمل محطات التكرير بطاقة لا تتجاوز 20%، لتتحول البلاد إلى مستورد للمشتقات رغم احتياطياتها الضخمة.
وتتفاقم الأزمة بهجرة عشرات الآلاف من المهندسين والفنيين، وانهيار الصناعات المساندة، والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد حتى لأبسط قطع الغيار، أي إصلاح يتطلب مراحل طويلة تبدأ بالتشخيص، ثم إصلاحات عاجلة، وصولاً إلى إعادة تأهيل جوهرية تمتد لسنوات، مع قدرة محدودة على استيعاب المشاريع المتزامنة.
وتؤكد التجارب الدولية مثل العراق بعد 2003 أو حقول بحر الشمال أن إعادة الإعمار النفطي غالباً أطول وأكثر تكلفة من التقديرات الأولية، لذلك فإن الحديث عن استعادة إنتاج 3 ملايين برميل يومياً خلال 3–5 سنوات يبدو تفاؤلاً مفرطاً، الأرجح أن الأمر يحتاج عقداً كاملاً من الاستثمارات والخبرات الدولية.
مقايضة الدين بالنفط – نموذج ملزم طويل الأجل
القطاع النفطي الفنزويلي أصبح رهينة مصالح دولية متداخلة. فالصين، عبر قروض تجاوزت 60 مليار دولار، ربطت فنزويلا بنموذج مقايضة النفط بالدين، ما جعلها المشتري المفضل وأحد أبرز ممولي البنية التحتية داخل وخارج قطاع الطاقة.
كذلك عززت روسيا حضورها باستثمارات «روسنفت» بنحو 9 مليارات دولار وتقنيات لاستخراج النفط الثقيل، مدعومة بتعاون عسكري وأمني وعلاقات شخصية مع النخب، ما منحها نفوذاً يتجاوز الاقتصاد.
هذا التشابك يحد من قدرة واشنطن على فرض نفوذ جديد حتى لو رفعت العقوبات، إذ إن مصالح الصين وروسيا تشكل سقفاً واقعياً لأي إعادة تشكيل، المستقبل لن يشهد هيمنة أحادية بل تقاسماً قسرياً للنفوذ، مع احتمالات للتعايش التنافسي أو الفوضى إذا تصاعدت المنافسة.
وهكذا وقعت فنزويلا، خلال سعيها للتحرر من الاعتماد الأمريكي، بتبعيات جديدة أكثر إلزاماً، وأي إحياء حقيقي لقطاعها النفطي يحتاج إعادة هندسة دقيقة لتوازن القوى الدولية.
المعادلة السياسية.. شرط الاستقرار غير القابل للتفاوض
وبناء على ماذكرنا سابقاً فإنه لا يمكن فصل مستقبل القطاع النفطي الفنزويلي عن استقرار النظام السياسي، إذ يشكل هذا العامل شرطاً أساسياً يتجاوز أهمية الاحتياطيات الغنية أو الحوافز المالية، تجارب العراق وليبيا أثبتت أن الانتقال الفوضوي للسلطة يقود إلى عقود من الاضطراب النفطي، وهو درس ترك أثراً عميقاً في ذاكرة الشركات الدولية التي باتت تفضل أسواقاً أقل جاذبية لكنها أكثر استقراراً.
الحد الأدنى المطلوب لأي استثمار كبير يتضمن سلطة موحدة قادرة على تنفيذ الاتفاقيات، وإطاراً قانونياً ثابتاً يحمي الملكية ويحل النزاعات بشكل محايد، إضافة إلى بيئة أمنية تضمن سلامة البنى التحتية والكوادر الفنية، لكن المفارقة الفنزويلية تكمن في أن الاستقرار السياسي يحتاج إلى عائدات نفطية، بينما جذب الاستثمارات النفطية يتطلب استقراراً مسبقاً، ما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.
عملياً، قد تقتصر الشركات على مشاريع صغيرة وقصيرة الأجل لاختبار البيئة، فيما تؤجل الاستثمارات الكبرى إلى حين التأكد من ثبات النظام السياسي والقانوني.
لا عودة إلى الماضي.. فنزويلا أمام نموذج جديد أو لا نموذج
قصارى القول، فإن فنزويلا لا تعيش لحظة «عودة إلى الماضي» ما قبل تشافيز، بل أمام خيار تطوير نموذج نفطي جديد يجمع بين مصالح متعددة: شركات دولية تبحث عن الربح، ودول دائنة تريد استرداد استثماراتها، ودولة فنزويلية تحتاج موارد لإعادة الإعمار، والنجاح يتطلب تسويات قانونية شاملة، إصلاحات مؤسسية لـ«PDVSA»، واتفاقات سياسية داخلية، حتى في أفضل السيناريوهات، يحتاج الإحياء النفطي 3-5 سنوات، وهو اختبار حقيقي لمدى قدرة النفط على دعم إعادة بناء الدولة بدلاً من تفكيكها.