معدلاته الأعلى في التاريخ الحديث.. خبراء يحذرون من تحول الفقر إلى حالة بنيوية مستدامة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية– إلهام عثمان:

مع ضجة الأخبار اليومية عن عودة المغتربين وانتعاش بعض القطاعات الخدمية، يطل سؤال جوهري على المشهد الاقتصادي السوري، وهو: هل الفقر الذي يعيشه ملايين السوريين اليوم مجرد أزمة طارئة يمكن تجاوزها، أم إنه بدأ يتحول إلى “فخ فقر” حقيقي يصعب الخروج منه؟ سؤال يطرحه المواطن البسيط قبل الخبير، ويبحث عن إجابة واضحة في ظل واقع معيشي قاسٍ.

-خربوطلي: الخروج من فخ الفقر يتطلب نهجاً شمولياً متعدد الأبعاد لا يكتفي بالمسكنات

تحليل دقيق

في تصريح لـ”الحرية”، حاول مدير عام غرفة تجارة دمشق والخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي الإجابة عن هذا السؤال الشائك، مؤكداً أنها ليست بسيطة، لأنها تحتاج إلى تحليل دقيق وبيانات وإحصاءات تعتمد على تعريف محدد لخط الفقر، وفصل العوامل الطارئة عن العوامل البنيوية التي تلتصق ببنية الاقتصاد السوري الهشة أصلاً.

الأرقام تتكلم

ويشير د. خربوطلي إلى أن الأرقام وحدها تكفي لرسم صورة مقلقة، فخلال السنوات الأربع عشرة الماضية، تقلص نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لا تقل عن 84 % عما كان عليه عام 2010. هذا الانهيار القياسي، إلى جانب تراجع مستويات المعيشة وانخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية، أوصل معدلات الفقر في سوريا إلى أعلى مستوى في تاريخها الحديث.
وتؤكد المراكز البحثية أن نسبة الفقر تجاوزت 80 % من إجمالي السكان، وهو رقم خطير ومقلق بأي مقياس، سواء تم احتسابه وفق خط الفقر المتوسط (3.65 دولارات يومياً حسب تعريف البنك الدولي 2022) أو خط الفقر المدقع (2.15 دولار يومياً). هذا يعني أن 8 من كل 10 سوريين يعانون اليوم من الفقر، وهي نسبة غير مسبوقة في بلد كان يُضرب به المثل في اتساع الطبقة الوسطى.

فخ الفقر

هنا يحذر خربوطلي من خطر تحول هذه الظاهرة الطارئة إلى “فخ فقر” حقيقي، وهو مصطلح عالمي يعني حالة من الفقر المستدام ذاتياً، حيث تصبح الأسباب بنيوية ويصعب الخروج منها.
ويحدد الدكتور خربوطلي أبرز هذه الأسباب البنيوية التي تهدد سوريا اليوم، والتي تتحلّى بنقص رأس المال البشري عبر تدهور قطاعي التعليم والصحة نتيجة سنوات الحرب والإهمال.
ونقص الموارد المالية للدولة من خلال تراكم الديون وتراجع الإيرادات العامة، وأيضاً ضعف البنية التحتية وذلك بتدمير واسع للطرق والمرافق والكهرباء والمياه، ومن خلال الأنظمة المؤسسية غير الفعالة (بيروقراطية وغياب الشفافية)، والصدمات الاقتصادية والمناخية والاجتماعية المتكررة، مع نقص فرص الأعمال وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.
هذه العوامل مجتمعة تخلق حلقة مفرغة حسب رأي الخربوطلي، موضحاً أن الفقر يمنع التعليم الجيد، فينتج عمالة غير ماهرة، فتقل الإنتاجية، وتضعف فرص الاستثمار، ويستمر الفقر، وهذه الحلقة هي جوهر “فخ الفقر”.

معالجة شاملة

وللخروج من هذا الفخ حسب رؤيا خربوطلي يتطلب نهجاً شمولياً متعدد الأبعاد، لا يكتفي بالمسكنات، بل لا بد من تدخلات قصيرة الأمد لإنقاذ الفقراء عبر برامج دعم مالي مستهدفة، إلى جانب استراتيجيات طويلة الأمد لبناء القدرات وتعزيز النمو الشامل والمستدام من التدابير الضرورية، وهي تسهيل الوصول إلى التمويل الأصغر ودعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وتطوير أنظمة الضمان الاجتماعي وشبكات الأمان للأسر الأكثر هشاشة، مع تعزيز فرص التعليم الجيد والرعاية الصحية والتغذية، والتوسع في التدريب المهني، ومكافحة الفساد وتحسين الشفافية في القطاعين العام والخاص، كما يجب تنمية المناطق الريفية والمهمشة التي كانت أهم مراكز الإنتاج الزراعي، وإطلاق برامج تحويلات نقدية مشروطة للأشد فقراً لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

– الطيب: سياسات إصلاح غير متوازنة ترفع الخدمات دون شبكات أمان

فجوة صارخة

من جهته، أشار الخبير الاقتصادي الدكتور جواد الطيب إلى أن هناك فجوة صارخة بين الدخل الفردي وتكاليف المعيشة، فالحد الأدنى للأجور (٧٥٠ ألف ليرة) لا يغطي ١٠ ٪ من تكاليف أسرة متوسطة في دمشق ( تبلغ تكلفة معيشتها من ٥-٧ ملايين ليرة). كما لفت إلى اعتماد ملايين السوريين على تحويلات المغتربين والتي تبلغ بقيمة (٤ مليارات دولار سنوياً)، ما يعكس اختلالاً في دورة الدخل المحلية.

أين الخلل؟

ووفق رأي الطيب: هناك سياسات إصلاح غير متوازنة والتي تؤدي لرفع الخدمات دون شبكات أمان، كغياب شفافية الدعم، حيث يذهب لغير مستحقيه، وتعقيد بيئة الأعمال وعجز المشروعات الصغيرة عن الحصول على تمويل.
وعن الحلول العملية وحسب رأي الطيب تكون من خلال التحول الرقمي في التحويلات والمحافظ الإلكترونية، مع تفعيل التمويل الأصغر عبر مؤسسات غير ربحية، وربط الدعم بالإنتاج عبر قروض صغيرة للمشروعات متناهية الصغر، وتعزيز الشفافية عبر رقابة إلكترونية على الأسواق.

الفقر طارئ

وختم خربوطلي تصريحه بنقطة تفاؤل مشروطة، مؤكداً أن الفقر في سوريا، رغم نسبته المرتفعة جداً، هو حدث طارئ نجم عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي مرت بها البلاد، وهو يبقى حدثاً دخيلاً على المجتمع السوري وليس حالة بنيوية مستفحلة.
ويكفي للدلالة على ذلك أن سوريا كانت قبل عام 2011 تمتلك طبقة وسطى كانت تشكل أكثر من 80 % من المجتمع، في مراحل وصفت بحق بأنها “سوريا الذهبية”. وبجهود حثيثة، وتعاون الجميع حكومة ومؤسسات مجتمع مدني وقطاع خاص، يمكن استعادة تلك التركيبة الاجتماعية المتوازنة التي كانت تميّز المجتمع السوري.

Leave a Comment
آخر الأخبار