مفاوضات باريس.. وتهرّب الاحتلال الإسرائيلي من العودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 مع سوريا؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – دينا الحمد:

بعد جولة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي التي جرت أمس في العاصمة الفرنسية باريس، برئاسة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ورئيس إدارة المخابرات العامة حسين السلامة، وبتنسيق ووساطة من الولايات المتحدة الأمريكية، برزت إلى الواجهة جملة من التساؤلات حول اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي، وأسباب محاولات تل أبيب التنصل منها، وكيف ستتعامل دمشق مع هذه الأطماع الإسرائيلية في الأراضي السورية.
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة المهمة، لا بد من الإشارة إلى أن القيادة السورية الجديدة أكدت غير مرة، قبل هذه المفاوضات وأثناءها، أن استئنافها يأتي تأكيداً على التزام دمشق الثابت باستعادة الحقوق الوطنية السورية غير القابلة للتفاوض، وأن المباحثات ستتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية للدولة، انطلاقاً من مبدأ أن أمن سوريا واستقلال قرارها الوطني هما أساس أي استقرار في المنطقة.
لكن الاحتلال الإسرائيلي لا يعيّر أي اهتمام بحقوق الآخرين ولا بالقرارات والقوانين الدولية، ولذلك رأينا قواته المحتلة تحاول مراراً اختراق الحدود ونسف اتفاقية فضّ الاشتباك، وما توغّل تلك القوات في قرى القنيطرة الجنوبي منذ أشهر وحتى اليوم إلا شاهد على ذلك.
فهذه التوغلات تُعدّ انتهاكاً لاتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وكيان الاحتلال، والتي هدفت إلى الفصل بين قوات الجانبين وفك الاشتباك بينهما، وتضمنت الاتفاقية ترتيبات لفصل القوات، وحددت خطين رئيسيين عُرفا بـ«ألفا» و«برافو»، ويفصلان بين المواقع العسكرية السورية والإسرائيلية، كما أُنشئت منطقة عازلة بين الخطين تخضع لإشراف قوة من الأمم المتحدة تُعرف بـ«أندوف».
وفي الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وبعد سقوط النظام البائد، أعلنت تل أبيب انهيار الاتفاقية، وقالت إنها قررت احتلال المزيد من الأراضي ومنها منطقة جبل الشيخ الحدودية السورية المحاذية للجولان المحتل، والهدف من احتلال المزيد من الأراضي هو ضمّها للكيان والتهرّب من العودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك.
جدير بالذكر أن وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر كان الوسيط بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي عام 1974، حيث عُقدت المفاوضات آنذاك في العاصمة الأمريكية واشنطن، وانتهت بالموافقة على الاتفاقية المقترحة في 29 أيار/مايو 1974، ووقّعت يوم 31 من الشهر نفسه في مدينة جنيف بسويسرا بحضور ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وأهم بنودها الالتزام بالوقف الكامل لإطلاق النار تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 338 لسنة 1973، والفصل بين القوات بإشراف قوة مراقبة فضّ الاشتباك التابعة للأمم المتحدة، ولا تُعتبر الاتفاقية «اتفاقية سلام»، بل خطوة نحو السلام العادل والدائم على أساس قرار مجلس الأمن رقم 338.
واليوم يحاول الاحتلال الإسرائيلي خلط الأوراق وانتهاك اتفاقية فضّ الاشتباك والقيام بالخروقات اليومية والتوغّل داخل الأراضي السورية في مناطق القنيطرة وريف دمشق، ظناً منه أنه سيقضم المزيد من الأراضي السورية بالقوة، دون أن يدرك أن الجولان أرض سورية، وأن دمشق ستبقى ملتزمة باستعادة الحقوق الوطنية السورية غير القابلة للتفاوض، وأن أي مباحثات حالية ستتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة كخطوة أولى نحو عودة جميع الأراضي والحقوق السورية وتحقيق السلام الشامل.

Leave a Comment
آخر الأخبار