تعزز العدالة الاقتصادية.. مكافحة الكسب غير المشروع تعيد الثقة إلى الاقتصاد السوري

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة :

بين حسابات مصرفية ضخمة وممتلكات فارهة، تتكشف ثروات تراكمت خلال سنوات طويلة من الفوضى السياسية والاقتصادية في سوريا، ثروات لم تُكتسب بالجهد أو الإنتاج، بل بالنفوذ والتقرب من مراكز القرار، في اقتصاد اختلت فيه قواعد المنافسة، حيث لم تكن الكفاءة معياراً للنجاح، بل القرب من السلطة والنفوذ السياسي.

اليوم ومع فتح ملف الكسب غير المشروع، يبدأ الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من التقييم والمحاسبة، فالملف لم يعد مجرد قضية قضائية، بل أصبح فرصة لإعادة ترتيب البيئة الاقتصادية، وإعادة الثقة إلى السوق، واستعادة الأموال العامة التي تمثل شريان الاقتصاد الوطني، لتصبح قاعدة انطلاق لأي إصلاح اقتصادي مستدام.

إذ إن لجنة مكافحة الكسب غير المشروع ليست وليدة اللحظة وإنما تعود جذورها لمحافظة إدلب، والتسويات التي أبرمت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح حصانة جزائية ولا تمس حقوق الغير، بل تعالج الشق المالي فقط، بينما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة وفق اختصاصها.

وتسعى لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، إلى استعادة الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، وضمان الشفافية في أصول رجال وسيدات الأعمال المرتبطين بالنظام السابق.

ويأتي برنامج الإفصاح الطوعي، الذي أطلقته اللجنة، خطوةً أساسية لإعادة إدماج هذه الأموال في الاقتصاد النظامي، وتفكيك شبكات التمويل غير المشروع التي قد تهدّد الأمن الاجتماعي، في إطار مساعٍ لمعالجة آثار اقتصاد الحرب وتعزيز العدالة الاقتصادية، إذ تهدف اللجنة لمنع استمرار النفوذ الاقتصادي غير المشروع، وإعادة إدماج الأصول في الاقتصاد النظامي، وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين، وترسيخ مبدأ المساءلة بعيداً عن الفوضى أو الانتقام، ومن دون تفكيك البنية الاقتصادية غير المشروعة، يظل أي إصلاح مبتوراً وغير مستدام.

والهدف من كل ذلك ترسيخ مبدأ بسيط وراسخ: لا أحد فوق المساءلة، ولا ثروة بلا مصدر مشروع، والعدالة لا تُبنى إلا بإعادة التوازن إلى الاقتصاد الوطني.

إعادة ضبط قواعد الاقتصاد

الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال المستشار في الاقتصاد والإدارة، يرى أن فتح ملف الكسب غير المشروع يمثل خطوة مفصلية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري.

وقال رحال في تصريح لـ”الحرية”: المشكلة ليست فقط في استرداد الأموال العامة، بل في إعادة ضبط قواعد الاقتصاد نفسه، الشبكات التي نشأت خلال السنوات الماضية شكلت اقتصاداً غير عادل، حيث لم تُبنَ الثروات على الكفاءة أو الإنتاجية، بل على القرب من مراكز القرار، فأي عملية إعادة إعمار أو تنشيط اقتصادي لن تنجح ما لم تُستعد الثقة أولاً في عدالة السوق وشفافية قواعده.

ويضيف رحال إن استعادة الأصول وإعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية تشكل رافعة مالية مهمة، خاصة إذا تم توجيهها إلى مشاريع إنتاجية أو صناديق استثمار وطنية تدعم النمو وتخلق فرص عمل.

كما يشير إلى أن نجاح برنامج استرداد الأموال يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: استقلالية التحقيقات، شفافية إدارة الأصول المستردة، وتوجيهها نحو الاقتصاد الإنتاجي وليس الاقتصاد الريعي.

تفكيك شبكات النفوذ

يشير رحال إلى أن الاقتصاد السوري شهد خلال السنوات الماضية تشوهات كبيرة بسبب ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد النفوذ»؛ شبكات مالية ضخمة سيطرت على قطاعات واسعة من السوق، من التجارة والاستثمار إلى العقارات والخدمات المالية، ما أعاق أي محاولة لإقامة بيئة تنافسية عادلة.

وتعد متابعة التدفقات المالية ومقارنة حجم الثروات بالدخل المعلن منهجية فعالة لكشف تضخم الثروات غير المبرر، وهي الأساس الذي يعتمد عليه برنامج الإفصاح الطوعي والتسويات المالية، الذي يتيح استعادة جزء من الأموال بسرعة، مع محاولة الحد من التأثير السلبي على السوق.

لكن رحال يحذر من أن هذا البرنامج يجب أن يتم ضمن إطار قانوني شفاف، لضمان ألا يتحول إلى مجرد تبرئة لشخصيات كانت جزءاً من منظومة الفساد، مشدداً على أن العدالة الاقتصادية ضرورة لإنجاح أي إصلاح.

البعد الاقتصادي والاجتماعي للملف

لا تقتصر أهمية ملف الكسب غير المشروع على بعده القضائي، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.

فاستعادة الأصول وإعادة إدماج الأموال المصادرة في الدورة الاقتصادية يمكن أن توفر موارد مالية مهمة للدولة في مرحلة التعافي الاقتصادي، خاصة إذا تم توجيهها إلى مشاريع إنتاجية تدعم النمو وتخلق فرص عمل، بدلاً من إعادة تدويرها في أنشطة ريعية.

ويقول رحال: “أي اقتصاد يسعى إلى التعافي والنمو يجب أن يكون قائماً على قواعد عادلة، لأن استمرار شبكات الاحتكار يعرقل المنافسة الطبيعية ويستنزف الموارد العامة، ويحد من قدرة الدولة على تحريك عجلة الاستثمار والصناعة المحلية.”

كما يؤكد أن نجاح هذا الملف يرتبط مباشرة بمدى التزام الدولة بالشفافية والمحاسبة، وبتطبيق معايير واضحة في كل مرحلة من مراحل استرداد الأموال، لضمان أن يكون الإصلاح اقتصادياً واجتماعياً في آن واحد.

فرص الاستثمار وإعادة الثقة في السوق

تعتبر الأموال المستردة فرصة لإعادة ضخ السيولة في الاقتصاد وتحفيز الاستثمارات المحلية والخارجية، بحسب الخبير رحال إعادة هذه الموارد إلى مشاريع إنتاجية وصناديق استثمار وطنية، يمكن للسوق السوري أن يستعيد توازنه، ويخلق بيئة منافسة عادلة، كما تساعد هذه العملية على استعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، الذين شهدوا خلال السنوات الماضية بيئة غير مستقرة ومشبوهة بالفساد.

ويشير رحال إلى أن الاستراتيجية الناجحة تتطلب مزيجاً من السياسات القانونية الصارمة مع آليات اقتصادية مرنة، لضمان ألا تتحول عملية استرداد الأموال إلى أزمة جديدة في السوق، بل إلى فرصة لتعزيز الاقتصاد الحقيقي وتحقيق العدالة المالية.

بين التحقيقات المعقدة والتسويات المالية، تقف سوريا على مفترق اقتصادي حاسم. نجاح معالجة ملف الكسب غير المشروع لن يُقاس فقط بكمية الأموال المستردة، بل بمدى قدرة الدولة على إعادة تشكيل بيئة اقتصادية عادلة وشفافة، قادرة على جذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد الحقيقي.

وفق تحليل الدكتور رحال، يمثل هذا الملف الخطوة الأولى نحو إصلاح اقتصادي شامل، حيث تصبح العدالة المالية والشفافية ركائز أساسية لأي مستقبل اقتصادي مستدام في سوريا، ما يجعل الكسب غير المشروع ليس مجرد قضية قانونية، بل يكون مفتاحاً لإعادة الثقة واستعادة عافية الاقتصاد الوطني.

Leave a Comment
آخر الأخبار