الحرية– ماجد مخيبر:
انطلقت صباح اليوم ورشة عمل تدريبية في مقر الاتحاد العام لنقابات العمال حول “تفتيش العمل والصحة والسلامة المهنية وتعزيز حماية الطفل”، بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وبدعم من منظمة العمل العربية، وتُعد الأولى من نوعها منذ عام 2009.
عودة التعاون وبناء الثقة
وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، خلال افتتاح الورشة، قالت إن هذا اللقاء هو امتداد للجهود السابقة، مشيرة إلى اللقاءات مع المدير العام لمنظمة العمل العربية، السيد فايز المطيري، على هامش مؤتمر العمل الدولي في جنيف، حيث لمس الجانب السوري “استعداداً صادقاً” لدعم إعادة فتح المعهد العربي للصحة والسلامة المهنية في دمشق، “وهو ما نشهده اليوم واقعاً ملموساً”.
الرؤية والأولويات الوطنية: التشغيل، التشريع، التفتيش
كما وضعت الوزيرة قبوات أمام الحضور الركائز الأساسية لعمل الوزارة في المرحلة الحالية، والتي تعمل في “ظروف استثنائية” لدعم مسار التعافي وإعادة البناء، مشيرة إلى ثلاثة أولويات:
– أولها التشغيل: العمل على إعادة إطلاق خطة وطنية للتشغيل بالشراكة مع الجهات المعنية، مع التركيز على “حماية حقوق العمل، وتمكين المرأة وذوي الإعاقة، وحماية الأطفال من عمالة الأطفال”.
– ثانياً الإطار التشريعي: باشرت الوزارة بمراجعة وتحديث القوانين الناظمة لسوق العمل “بما يعزز العدالة والاستقرار ويواكب المرحلة ومتطلباتها”.
– ثالثاً تفتيش العمل: حيث تم البدء “بإعادة تفعيل جهاز تفتيش العمل وتدريب المفتشين والمفتشات، ونشر الوعي بقوانين العمل وحقوق العمال بالتعاون مع أطراف العمل الثلاثة”، وشددت على أنه “بدون الأطراف الثلاثة لن يكون هناك عمل مهني”.
الشراكة: أساس النجاح في “سوريا الجديدة”
وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل أوضحت أن محور العمل الحالي يرتكز على “توسيع الشراكات العملية” في مجالات أساسية وهي: تعزيز التدريب المهني وربطه بسوق العمل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة “التي نحن الآن بحاجة لها”، وتطوير الحوار المستمر بين أصحاب العمل والعمال.
كما وجهت الشكر لغرف الصناعة والتجارة والاتحاد العام لنقابات العمال، وأوضحت أن نجاح هذه الجهود يتطلب مشاركة مستمرة من الجميع عبر التقييم والتطوير، وتشجيع أصحاب العمل على خلق فرص العمل.
فواز الأحمد، رئيس اتحاد نقابات العمال في سوريا، أكد خلال افتتاح الورشة على أهمية عودة منظمة العمل العربية إلى البلاد بعد انقطاع تجاوز خمسة عشر عاماً، مشيراً إلى أن الهدف من الورشة التدريبية هو تطوير عمل مفتشي العمل، وهي تُعد خطوة عملية لتعزيز الشراكة بين أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومة وأصحاب العمل والعمال)، والتي تُشكّل ضمانة أساسية لمكافحة المخالفات وترسيخ قواعد العدالة الاجتماعية والحوار.
وقال الأحمد إن منظومة تفتيش العمل الحالية وُلدت من رحم مرحلة سابقة اتسمت بضعف المؤسسات وانتشار الفساد، مؤكداً أن المرحلة الحالية تهدف إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، حيث يصبح التفتيش أداة لحماية العامل وضمان حقوقه.
كما تطرق رئيس الاتحاد إلى أهمية التزام سوريا بالمعايير الدولية، لا سيما بعد أن أضافت منظمة العمل الدولية الحق في الصحة والسلامة المهنية إلى قائمة الحقوق الأساسية للعمل عام 2024، مشدداً على أن الاستثمار في هذا المجال ليس كسباً للعامل فحسب، بل يحقق مصلحة لصاحب العمل والدولة أيضاً من خلال استمرارية الإنتاج وتفادي التكاليف.
قوانين العمل السورية قيد التعديل حالياً بمشاركة الاتحاد
كما أشار إلى ملف عمالة الأطفال الذي تفاقم بسبب الظروف الاقتصادية، مؤكداً ضرورة معالجة الأسباب ودور التوعية ووزارتي التربية والداخلية في مكافحة هذه الظاهرة.
وفي سياق متصل، كشف الأحمد خلال تصريح صحفي لـ”الحرية” أن قوانين العمل السورية قيد التعديل حالياً بمشاركة الاتحاد، وستركز التعديلات على رفع قيمة الغرامات على المخالفين، وإلزامية تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية، وتعزيز صلاحيات واستقلالية مفتشي العمل، مشيراً إلى أن هذه الدورة “ليست مجرد تدريب، بل إعلان عن بداية في سوريا الجديدة”، لإعادة بناء منظومة تفتيش عمل مهنية وقائمة على القانون، بالتعاون مع منظمة العمل العربية وجميع الشركاء.
أول نشاط رسمي للمنظمة في سوريا
مدير عام منظمة العمل العربية، فايز علي المطيري، أكد في كلمته أن هذه الدورة تمثل أول نشاط رسمي للمنظمة في سوريا منذ خمسة عشر عاماً، وتشكل عودة للشراكة الفاعلة معها، بما يعكس مكانتها المحورية في العمل العربي المشترك، مؤكداً أن مستقبل العمل في سوريا الجديدة لن يُبنى إلا بتكامل الحكومة وأصحاب العمل والعمال عبر حوار اجتماعي مسؤول يوازن بين حماية العمال وتعزيز الإنتاجية.
تكاتف الأسرة والمجتمع مع الحكومة
رئيس غرفة صناعة دمشق، أيمن مولوي، بيّن أن قضية عمالة الأطفال باتت من أبرز التحديات الإنسانية في سوريا، إذ برزت جراء ممارسات النظام البائد، حيث اضطر ملايين الأطفال لترك مقاعد الدراسة والانخراط في أعمال شاقة، ما يشكّل انتهاكاً صريحاً لحقوقهم ويهدد مستقبل الوطن.
هذا وقد شهد اليوم الأول جلسات مكثفة استهلتها السيدة هيفاء إسماعيل، مديرة تفتيش العمل بوزارة الشؤون الاجتماعية، بتسليط الضوء على واقع تفتيش العمل في سوريا، كما قدم الدكتور غسان الأعور من منظمة العمل العربية رؤية حول التحول الرقمي في أنظمة تفتيش العمل والصحة والسلامة المهنية.
فيما استعرض الأستاذ حمادة أبو نجمة من منظمة العمل العربية في الجلسة الثانية المعايير العربية والدولية في مجال تفتيش العمل والصحة والسلامة المهنية، كما قدم الأستاذ عبد السلام الباشا ورقة عمل حول سبل دمج المعايير الدولية لمكافحة عمالة الأطفال ضمن التشريعات الوطنية.
اختتمت فعاليات اليوم الأول بجلسة مناقشة عامة لأبرز التوصيات التي ركزت على ضرورة تحديث الأدوات الرقابية وتعزيز الشراكة بين الجهات المعنية لضمان بيئة عمل آمنة ومستقرة.
تهدف الورشة، التي تستمر ليومين في مبنى الاتحاد العام، بمشاركة نقابيين وخبراء، إلى تبادل الخبرات وتطوير القدرات، ومواءمة التشريعات الوطنية لمعايير العمل العربية والدولية، وتطوير منظومة تفتيش العمل والصحة والسلامة المهنية، ومكافحة عمالة الأطفال.
تصوير: طارق حسنية