الحرية- إلهام عثمان:
في إطار السعي لتعزيز بيئة عمل مهنية ومنضبطة، يثير قرار منع استخدام الماكياج في الدوائر الحكومية تساؤلات حول انعكاساته الاقتصادية والإدارية المحتملة، ما يستدعي الأمر تحليلاً متوازناً لفهم تبعاته من زوايا متعددة، اقتصادية وإدارية واجتماعية مختلفة.
الأثر الاقتصادي
في البداية، يرى الخبير الاقتصادي محمد بكر أن الأثر الاقتصادي المباشر للقرار (محدود)، موضحاً أن شريحة كبيرة من الموظفات يستخدمن منتجات بسيطة واقتصادية، كما أن ظروفهن المادية لا تسمح عادةً بشراء منتجات فاخرة، ويضيف: إن الجدوى العملية للقرار تبدو ضعيفة مقارنة بتكلفته الاجتماعية المحتملة.
تأثيرات بعيدة المدى
ويحذر بكر من تداعيات غير مباشرة، من خلال حوار مع “الحرية”، قد تطول صناعة التجميل على المدى المتوسط والطويل، فرغم ضعف التأثير المباشر، إلا أن القرار قد يساهم في تغيير أنماط الاستهلاك عبر تقليل التطبيع الاجتماعي مع استخدام المكياج في الفضاءات الرسمية، ما قد يؤثر على الطلب العام.
كما قد تشهد مبيعات المنتجات متوسطة وعالية الجودة تراجعاً، بينما قد تتأثر سلاسل التوريد والتوزيع حتى للمنتجات الاقتصادية، والتي تدعم عادةً قطاعات تجارية محلية.
أما على صعيد الجدوى العملية، فيشير بكر إلى أن غياب أدلة مهنية قاطعة تربط بين المكياج الخفيف وانخفاض الإنتاجية الذي يضعف المبرر العملي للقرار، كما يجب وضع التكلفة الإدارية لمراقبة التطبيق، والتكلفة الاجتماعية المتمثلة في شعور البعض بتقييد الحريات الشخصية، في كفة الميزان مقابل المنافع المرجوة.
مبدأ الوسطية
على المستوى الإداري والاجتماعي، تبرز بعض التحديات في تطبيق القرار وهنا، تؤكد الخبيرة الأسريّة عبير محمد أهمية التوازن، مشيرة إلى أن القرار قد يخفف ضغوطاً مالية على بعض الأسر، لكنه قد ينقل توتراً إلى البيئة الأسرية إذا فُهم كقمع للحرية، وتدعو إلى اعتماد مبدأ الوسطية عبر إرشادات للمظهر المهني المحترم بدلاً من المنع الكامل.
التطبيق العادل
ويقول بكر: في أوروبا وخاصة ألمانيا قلما تجد موظفة تضع مواد تجميل والتي تستخدم فقط في الحفلات والمناسبات، أما كيف يمكن ضمان التطبيق العادل فالأفضل عدم التشديد بالالتزام والتعسف الإداري (عقوبات– حسم– اعتبار اليوم غياباً.. الخ ) بل بالإقناع والتوعية ومراعاة المصلحة العامة والمصلحة الفردية.
فهم جماعي
من جانبها تشير محمد إلى أهمية التجارب الدولية، مبينة أن الاعتماد على الثقافة المؤسسية والأعراف المهنية المشتركة غالباً ما يكون أكثر استدامة من القواعد الصارمة، فالاحترافية والطوعية، النابعتان من فهم جماعي لطبيعة البيئة العملية، أثبتتا فاعلية أكبر من القرارات الإلزامية.
وختمت محمد: الحل الأمثل قد لا يكمن في الحظر الكامل، بل في صياغة دليل إرشادي واضح للمظهر المهني، يعزز قيماً مثل النظافة والترتيب واللياقة، مع ترك هامش معقول للخصوصية، ونشر نهج توعوي وتوجيهي قد يحقق الانسجام المؤسسي المنشود، ويحافظ على بيئة عمل تحترم الكفاءة والإنصاف والكرامة الإنسانية كأسس للإنتاجية المستدامة، مع ترك هامش للحرية الشخصية ولاسيما أن خير الأمور أوسطها.