الحرية – نهلة أبو تك:
لم يعد البحر السوري مجرد ممرٍ للسفن، ولا الساحل واجهة جغرافية مؤجَّلة على المتوسط اليوم، ومع إدخال صناعة السفن إلى مرفأ طرطوس، يُفتح فصل جديد في الاقتصاد البحري السوري، عنوانه الانتقال من دور العبور والخدمة إلى دور الإنتاج والتصنيع، خطوة تضع سؤالاً اقتصادياً سيادياً في الواجهة: هل تبدأ سوريا استعادة دورها البحري من بوابة الصناعة، لا من بوابة الانتظار؟
في هذا السياق، شكّل توقيع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك اتفاقية استثمار استراتيجية مع شركة تركية متخصصة في صناعة وبناء وصيانة السفن محطة مفصلية في مسار المرافئ السورية، إذ تؤسس لإنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، قادر على تقديم خدمات الصيانة والإصلاح والبناء والتحويل وفق معايير دولية، وخدمة الأسطول الوطني واستقطاب سفن إقليمية ودولية.
من موقع جغرافي إلى قيمة إنتاجية
الخبير البحري القبطان محمد جمال عثمان يرى أن أهمية المشروع لا تكمن في منشآته فقط، بل في إعادة تعريف وظيفة الساحل السوري اقتصادياً، موضحاً في تصريح لـ”الحرية” أن سوريا تمتلك موقعاً استثنائياً على شرق المتوسط، إلا أن هذا الموقع بقي لفترة طويلة غير مستثمر صناعياً بالشكل الذي يوازي قيمته الجغرافية.
ويؤكد عثمان أن إنشاء حوض سفن متكامل في طرطوس يعني تحويل الجغرافيا إلى قيمة إنتاجية فعلية، وربط المرافئ السورية بسلسلة الصناعة البحرية، بدل الاكتفاء بدور المرافئ الخدمية، ما يخفف الضغط عن الأسطول الوطني ويمنح الملاحة السورية مرونة تشغيلية افتقدتها لسنوات.
استقلالية تشغيلية للأسطول الوطني
من جهته يؤكد القبطان عبد الله بياضو أن المشروع يشكّل نقطة تحوّل حقيقية في واقع الملاحة السورية، لافتاً إلى أن وجود حوض سفن متكامل في طرطوس يمنح الأسطول السوري استقلالية تشغيلية بعد سنوات من الاعتماد على مرافئ خارجية لأعمال الصيانة والإصلاح، وما رافق ذلك من كلف مرتفعة وتأخير في حركة السفن.
ويرى بياضو أن هذه الخطوة لا تعزز فقط جاهزية الأسطول الوطني، بل تضع سوريا على مسار المنافسة البحرية في حوض المتوسط، تمهيداً للدخول الفعلي في صناعة السفن وفق المعايير الدولية، لا الاكتفاء بخدمات الصيانة.
استثمار طويل الأمد بلا أعباء على الخزينة
تمتد الاتفاقية لمدة ثلاثين عاماً، وتُلزم الشركة المستثمرة بتجهيز البنية التحتية كاملة، من أرصفة ومعدات ومرافق تشغيلية متطورة، من دون تحميل الخزينة العامة أي أعباء مالية مباشرة، ما يجعلها نموذجاً لاستثمار قائم على الشراكة طويلة الأمد.
كما تتضمن الاتفاقية حوافز خاصة لتسهيل أعمال السفن الحكومية، بما يعزز التكامل بين القطاعين العام والخاص، ويؤسس لمرحلة جديدة في إدارة الأصول البحرية السورية على أسس إنتاجية مستدامة.
فرص عمل ونقل معرفة
البعد الاجتماعي للمشروع لا يقل أهمية عن بعده الاقتصادي، إذ من المتوقع أن يؤمّن آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، مع أولوية واضحة لتشغيل الكوادر السورية، وبنسبة لا تقل عن 95%.
ويشير القبطان محمد جمال عثمان إلى أن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في نقل المعرفة وبناء الخبرات الهندسية والفنية البحرية، بما يرسّخ قاعدة لصناعة وطنية مستدامة، ويعيد الاعتبار للكفاءات السورية في قطاع حيوي ظل لعقود خارج دائرة الاستثمار الصناعي الحقيقي.
رسالة اقتصادية تتجاوز الساحل
إلى جانب أثره المباشر، يحمل المشروع رسالة اقتصادية أوسع، تعكس توجّه سوريا نحو الانفتاح على الاستثمارات الإقليمية، واستعادة حضورها في قطاع يُعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالتجارة العالمية.
فمع وجود حوض قادر على التعامل مع سفن بأحجام كبيرة، وتقديم خدمات الصيانة والبناء والتحويل، يصبح الساحل السوري مرشحاً للتحول إلى مركز جذب لوجستي وصناعي في شرق المتوسط، بما ينعكس على الإيرادات العامة، والضرائب، وحركة الشحن، وسلاسل التوريد المرتبطة بها.
طرطوس… من مرفأ عبور إلى مركز صناعة
إطلاق مشروع حوض السفن المتكامل في مرفأ طرطوس ليس حدثاً تقنياً عابراً، بل خطوة استراتيجية تعيد تعريف دور المرافئ السورية، وتضع الأسطول الوطني على طريق الاستقلالية، وتفتح أمام الاقتصاد باباً جديداً للإنتاج والتشغيل.
وفي لحظة تتقاطع فيها الحاجة الاقتصادية مع الفرصة الجغرافية، تبدو طرطوس اليوم أكثر من مجرد مرفأ يستقبل السفن… إنها منصة تصنع مستقبل سوريا البحري.