الحرية– رجاء عبيد:
لم تكن الأمثال والتقسيمات الشعبية المتعلقة بالشتاء مجرد أقوال متوارثة، بل وثيقة تعبر عن علاقة الإنسان العميقة بالطبيعة. فـ«من المربعانية إلى السعودات، ومن سعد الذابح إلى سعد الخبايا»، حكايات وأمثال نسجت على وقع البرد والمطر، فصارت تقويماً شعبياً يعكس خبرة الأجداد في قراءة السماء والأرض.
وفي رحلة البحث عن تفسيرات الطبيعة، يجد الإنسان نفسه أمام تراث شعبي ثري، لا يقل دقة عن كثير من العلوم الحديثة حيث يؤكد المتنبئ الجوي أحمد حسان جردي، في حديثه لـ«الحرية»، أن تقسيمات الشتاء الشعبية تحمل في طياتها خبرة متراكمة من المشاهدة والملاحظة على مدى قرون، حيث يأتي فصل الشتاء بشكل عام تسعين يوماً، مقسماً إلى قسمين رئيسيين: المربعانية ومدتها أربعون يوماً، التي تبدأ مع الانقلاب الشتوي في 21 كانون الأول وتنتهي في 31 كانون الثاني، وهي وإن لم تكن ثابتة التاريخ بشكل مطلق، إلا أنها متعارف عليها شعبياً كأول محطات البرد القارس. ثم تليها خمسينية الشتاء ومدتها خمسون يوماً، والتي تمتد من 1 شباط حتى موعد الاعتدال الربيعي في 21 آذار، لترسم بذلك خارطة شعبية متكاملة لفصول السنة الأربعة.
وتقسم خمسينية الشتاء إلى أربعة «سعودات»، مدة كل منها 12.5 يوماً، وهي: سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، وسعد الخبايا، وقد حملت هذه التسميات حكايات شعبية تعكس معاناة الإنسان مع تقلبات الطقس.

حكاية السعودات كما يرويها الموروث
وحول تسمية السعودات، أوضح جردي أن الموروث الشعبي يروي قصة رجل اسمه «سعد» تجهز للسفر، فنصحه والده بأن يتزود بقليل من الحطب والفراء اتقاءً من البرد المحتمل. لكن سعد لم يأبه بنصيحة والده وانطلق في رحلته ظناً منه أن الطقس لن يتغير كثيراً، وما إن وصل إلى الطريق حتى هبت الرياح الباردة وهطل المطر والثلج بغزارة شديدة واستمرت لفترة طويلة، لتبدأ معاناة سعد مع خمسينية الشتاء التي تستهل بسعد الذابح بدءاً من 1 شباط.
سعد السعود.. بشير الربيع
أما سعد السعود، الذي يمتد عادة من 25 شباط حتى 9 آذار، فهو بحسب جردي محطة فارقة في الموروث الشعبي، حيث تتغير الأحوال الجوية إيذاناً بانتهاء فصل الشتاء واقتراب الربيع وموعد الاعتدال الربيعي، وعند العرب، يرمز سعد السعود إلى فترة الخصب في المحاصيل الزراعية، وهو دليل على آخر موجات البرد الشديد التي تتمثل بـ«أيام العجائز» أو ما يسمى «أيام الحسوم»، قبل أن يستقر الطقس ويميل نحو الدفء معلناً بداية الربيع.
ويأتي سعد السعود بعد سعد بلع وقبل سعد الخبايا، وهو ثالث السعودات.
ورغم أن هذه التقسيمات لا يمكن اعتبارها قيمة علمية أو دليلاً مناخياً دقيقاً، إلا أن الموروث الشعبي يظل حاضراً في الوجدان، فلا يمكن التخلي عنه.
ويقول المثل الشعبي في وصف هذه الفترة: «بسعد السعود لانت الجلود، وذاب كل جمود، واخضر كل عود»، وكما يقال: «في سعد السعود دبت المي بالعود ودفي كل مبرود»، وهذه الفترة، وفقاً لجردي، مناسبة للزراعة من حيث تسميد المزروعات وزراعة بعض المحاصيل، وهي دليل قاطع على نهاية موجات البرد القارس وبداية دفء الطقس وازدهار الطبيعة.
دلالات سعد السعود على الطبيعة
من أهم دلائل سعد السعود التي نلمسها بالعين المجردة، عودة الحياة إلى الطبيعة حيث تزهر الأشجار والنباتات وتتفتح أزهار الربيع بشكل عام، ويبدأ الثلج والجليد بالذوبان، ويميل الطقس إلى الاستقرار، ويشعر الإنسان بدفء حقيقي لأشعة الشمس، وفي نهاية هذا السعد، ندخل في المرحلة الانتقالية أو المرحلة التمهيدية للانتقال من البرد القارس إلى دفء الربيع وأجوائه الجميلة والمنعشة، وهي دلالة على عودة الحياة من جديد وبداية دورة حياتية جديدة مع الأزهار والطبيعة الخضراء.
ويختم جردي بالتأكيد على أن سعد السعود يدل على استقرار الجو وميل الطقس للتحسن، وكأنه يقول لنا: «استعدوا لاستقبال فصل الربيع»، مع موعد الاعتدال الربيعي في 21 آذار.