من حطام الحرب إلى أُسس الاستدامة.. هل يكون “التدوير” سلاح سوريا الاقتصادي الجديد؟

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية ـ إلهام عثمان:
لم يعد مفهوم الاقتصاد الدائري ترفاً نظرياً أو مفهوماً بيئياً هامشياً، بل تحول في سوريا إلى ضرورة إستراتيجية تفرضها تحديات ندرة الموارد وارتفاع كلفة التلوث وتقلبات أسعار المواد الخام، واللافت للانتباه أن جوهر هذا التحول لا يقتصر على عملية إعادة التدوير التقليدية – التي غالباً ما تُعد مرحلة نهائية ومحدودة العائد – بل يتجاوزها نحو إعادة تصميم شاملة لدورة حياة المنتج منذ لحظة التصور الأولى.

الخبير الاقتصادي علي راجح أوضح من خلال حديث مع “الحرية”، أن الواقع السوري يشهد تحديات عدة، لتتحول فكرة الاقتصاد الدائري من مصطلح أكاديمي إلى خطة عملية حيوية، حيث يمكن أن يقدم رؤية لتحويل أنقاض الحرب ومخلفات البناء إلى مواد بناء، ولتحويل النفايات العضوية إلى سمادٍ يُخصّب التربة، مخففاً من استنزاف الموارد المحدودة.

فرص

بالنسبة للشركات، وفقاً لراجح، يمثل هذا النموذج فرصة لخفض تكاليف الاستيراد بتحويل المخلفات إلى مواد خام محلية، والابتكار خدمات جديدة كالإيجار والإصلاح، بينما يستفيد الأفراد من هذه الفكرة من خلال تقليل النفقات اليومية عبر ثقافة إعادة الاستخدام والتأجير، وتحقيق عوائد بسيطة من فرز المخلفات القابلة للتدوير.
لافتاً إلى أن هذه الحلول تتطلب بيئة داعمة تتمثل في تشريعات تحفيزية وتمويل وشراكات استثمارية لإدارة الموارد الوطنية المتاحة بذكاء، ودفع عجلة التنمية والاكتفاء الذاتي خطوات إلى الأمام.

بالنسبة للمنتج التقليدي، يضيف راجح، لا تتجاوز نسبة الاستفادة من إعادة تدويرها كالأثاث 30% من قيمته المادية، ويطمح النموذج الدائري إلى تحقيق استثمار كامل للموارد يقترب من 100%، والأهم من ذلك أن هذا الهدف الطموح لا يتحقق إلّا عبر إستراتيجيات متكاملة تبدأ من مرحلة التصميم وتستمر حتى نهاية العمر الافتراضي للمنتج

“زيرو” نفايات

وبين راجح أن الاقتصاد الدائري يقوم على مبدأ “التصميم من أجل التفكيك”، حيث تُصمَّم المنتجات لتكون قابلة للإصلاح والتجديد وإعادة التصنيع بسهولة وكفاءة، مؤكداً أن هذا المبدأ يتناقض جذرياً مع النمط الصناعي السائد القائم على المواد اللاصقة والتركيبات المعقدة التي تحوِّل المنتج في نهاية عمره إلى نفايات مختلطة يصعب استثمارها.
وأردف راجح: في هذا الإطار، تبرز تجربة شركة “Mud Jeans” الهولندية كنموذج ريادي، حيث تبنّت نظام “تأجير الملبوسات مثلاً بدلاً من بيعها، ما سمح لها بالاحتفاظ بملكية المادة الخام وتقديم خدمة صيانة مجانية، لتتم في النهاية إعادة تدوير 60% من المنتجات لصناعة جينز جديد، وتحويل الـ40% المتبقية إلى مواد عزل للمباني، محققةً بذلك نموذجاً عملياً لشعار “صفر نفايات”.

من ثقافة التملك إلى فلسفة الخدمة

يشكل التحول النوعي من بيع المنتج إلى تقديم الخدمة النواة المركزية للاقتصاد الدائري هذا ما أكده راجح، فبدلاً من شراء سيارة، يمكن للمستهلك الاشتراك في خدمة تنقل طويلة الأمد توفر له الترقية الدائمة إلى الموديلات الأحدث، كما تطبق شركة “نيسان” في برنامجها المبتكر لإعادة استخدام بطاريات السيارات الكهربائية، ما يضمن بقاء الموارد عالية القيمة داخل دائرة الإنتاج.
ومن الجدير بالذكر أن هذا النموذج بدأ يجد طريقه إلى المجتمعات المحلية، كما يتجلى في ثقافة تأجير فساتين الأعراس التي انتشرت مؤخراً، ما وفر على العائلات تكاليف باهظة وقلل من الهدر بشكل ملحوظ.

متطلبات التحول

وهنا يشدد راجح على أن نجاح التحول نحو الاقتصاد الدائري، يستند إلى عدة مقومات أساسية، وهي: أن تكون تكلفة المواد الخام الثانوية مساوية أو أقل من سعر المواد التقليدية، ما يتطلب استثمارات في تقنيات فصل وفرز متطورة، وكفاءة سلاسل التوريد العكسية من إقامة شبكات فعالة لجمع المنتجات المستهلكة ونقلها إلى مراكز الإصلاح أو التفكيك، مع ضمان جودة هذه المدخلات.
أيضاً من خلال ابتكار أدوات مالية جديدة و تطوير أدوات تمويلية تقيّم الأصول المعاد استخدامها وتسهل تمويل عمليات إعادة التصنيع.
وإقامة إطار تشريعي داعم بسن تشريعات تحدد مسؤولية المنتج تجاه منتجاته حتى نهاية عمرها الافتراضي، كما في حزمة الاقتصاد الدائري للاتحاد الأوروبي.

مكاسب متعددة المستويات

وهنا لابد من أن يطرح سؤال محوري، إذا كان المنتج مثل الأثاث معرضاً للتلف، فأين تكمن المصلحة الاقتصادية للشركة المصنعة؟ يجيب راجح: من خلال تحويل نموذج الإيرادات من عملية بيع لمرة واحدة إلى علاقة مستدامة مع العميل تولد إيرادات متكررة من خلال اشتراكات الصيانة والتحديث والتأجير، كما تتيح الملكية المستمرة للمواد الخام للشركات التحوط ضد تقلبات الأسعار العالمية، وبناء ولاء أعمق للعلامة التجارية، والاستفادة من البيانات السلوكية للعملاء لتحسين المنتجات والخدمات.

اقتصاد الوصول

كما لفت راجح إلى أن المستهلك ينتقل هنا من منطق التملك إلى منطق الوصول، ما يخفف العبء المالي الكبير المرتبط بشراء الأصول كاملة، كما يحصل على منتجات بأعلى المواصفات التقنية دون تحمل تكلفة الالتزام طويل الأمد، بالإضافة إلى الفوائد البيئية المباشرة المتمثلة في تقليل البصمة الكربونية الفردية، وتؤكد دراسة أجرتها جامعة كامبريدج عام 2022 أن 68% من المستهلكين في أوروبا يفضلون نماذج الخدمة عند توفرها بجودة مناسبة.

الحاجة إلى بيئة تمكينية

وبيّن راجح أنه رغم الوضوح النظري والنجاحات العملية، إلّا أن الانتشار الواسع للاقتصاد الدائري يواجه عقبات جوهرية، أبرزها عدم مواءمة الأنظمة المالية والتشريعية القائمة، فالمؤسسات المصرفية التقليدية تجد صعوبة في تقييم وتمويل شركات تعتمد على نموذج “المنتج كخدمة”، حيث تعجز عن تقدير قيمة تدفقات الإيرادات المستقبلية مقابل الأصول المادية القائمة، فعلى سبيل المثال، تواجه شركة تمتلك أسطولاً من الغسالات لتقديم خدمة الغسيل بالإيجار صعوبات في الحصول على تمويل للتوسع، لأن البنوك تتعامل مع الأصول كسلع قابلة للبيع الفوري فقط.

نحو شراكة إستراتيجية شاملة

لا يمكن تحقيق التحول الناجح نحو الاقتصاد الدائري دون تعاون وثيق بين جميع الأطراف المعنية، هذا ما أضافه راجح، وذلك بالنسبة للحكومات عبر وضع الأطر التشريعية المحفزة، وتطوير البنية التحتية اللازمة، وقيادة التغيير في المشتريات الحكومية، والقطاع الخاص من خلال الابتكار في التصميم وتطوير نماذج أعمال مستدامة، والاستثمار في التقنيات الداعمة، في المؤسسات المالية بإعادة هيكلة أدوات التمويل لتتناسب مع متطلبات النماذج الاقتصادية الجديدة، بتبني ثقافة الاستخدام المسؤول والوعي بآثار الخيارات الاستهلاكية.

خطة عملية لإعادة البناء

كما لفت راجح إلى أن الاقتصاد الدائري أصبح ضرورة حتمية لسوريا في ظل تحديات إعادة الإعمار والأمن الغذائي، حيث يحوِّل هذا النموذج التحديات إلى فرص، فأزمة إعادة الإعمار مثلاً تحتاج سوريا فيها إلى 400 مليار دولار لإعادة البناء، كما أن تراكم المخلفات يشكل خطراً صحياً وبيئياً، و تدهور القطاع الزراعي بفعل المناخ

نماذج عملية قابلة للتطبيق

وأضاف راجح: هناك نماذج عملية قابلة للتطبيق ومنها:

  1. تحويل أنقاض الحرب إلى مواد بناء عبر تقنيات التدوير.
  2. تحويل المخلفات العضوية إلى سماد لتحسين التربة.
  3. إدارة النفايات بمنظور استثماري عبر شراكات دولية.

فوائد ملموسة

بالنسبة للشركات: تكون الفوائد بتقليل تكاليف الاستيراد باستخدام مواد محلية معاد تدويرها، وتوفير فرص عمل جديدة في قطاعات التدوير والتصنيع، وابتكار نماذج أعمال مستدامة قائمة على الخدمة.
أما بالنسبة للأفراد، فتكون بتوفير النفقات عبر إعادة الاستخدام والإصلاح، وتحقيق دخل إضافي من فرز النفايات القابلة للتدوير، وتحسين جودة الحياة عبر بيئة أنظف.

شروط النجاح

تتطلب الخطة لنجاحها وحسب رأي راجح، تشريعات محفزة لدعم المشاريع الدائرية، وتمويلاً مخصصاً من البنوك والمؤسسات المالية، ومن خلال شراكات استثمارية مع خبرات عالمية، وحملات توعية مجتمعية شاملة.

وختم راجح: الاقتصاد الدائري يمثل خريطة طريق عملية لسوريا نحو إعادة إعمار مستدامة، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وبناء اقتصاد مرن قادر على مواجهة التحديات المستقبلية.

Leave a Comment
آخر الأخبار