الحرية – عثمان الخلف :
يستذكر أهالي دير الزور في منتصف شهر آذار من العام 2011 ، بدء حراكهم الثوري الجماهيري الأول، والذي أعلنوا خلاله احتجاجاتهم السلميّة ضد الممارسات القمعيّة التي مارسها نظام الأسد البائد طيلة عقود، مطالبةً بالديمقراطية والحرية، لم يكن ذلك بالأمر السهل في ظل وجود قبضة أمنيّة وأجهزة تُحصي على الناس أنفاسها، غير أن أحداث درعا وما تعرض له المحتجون من انتهاكات كانت الشرارة التي حركت التمرد المدني بمختلف أرجاء سوريا.
الحراك السلمي
مع بدء الاحتجاجات السلمية بدير الزور، والتي اتخذت من دوار “المدلجي” وسط المدينة مركزاً لها، عملت أجهزة نظام الأسد البائد على تشويه الحراك المطلبي بالإصلاح وربطه بأجندات خارجيّة، لتُسجل وفق حديث الصحفي عقبة نظام الدين لـ”الحرية” عدة أعمال أمنيّة واغتيالات، جرى ربطها بالحراك، الذي بقي محافظاً على سلميته، فلم يكن الخطاب الجماهيري الذي خرج من دير الزور عشائرياً أو مناطقياً، بل كان وطنياً بامتياز. هتافات مثل: “صب من دمك للحرية”، و”حيّي رجالك يا سوريا”، و”الشعب السوري واحد”، كانت عنواناً لسردية جديدة عبّر فيها أبناء دير الزور عن انتمائهم لوطنٍ يحتضن الجميع.
مؤكداً أن الهتافات لم تكن مجرد شعارات، بل كانت انعكاساً لهوية تتشكل مجدداً، هوية سورية قاعدتها شعب موحد، لا طائفة ولا حزب، ومن خلال هذه الرؤية، قدّم شباب دير الزور نموذجاً متقدماً في فهم معنى الثورة، حيث امتزج البعد المحلي بالوطني، وخرجت دير الزور من كونها محافظة مهمشة إلى مركز رمزي للثورة، فكان دوار “المدلجي” حاضنة صوت الثورة، الذي تدفقت إليه مختلف الفعاليات الثورية من قرى وبلدات المحافظة.
لافتاً إلى أن خنق أجهزة قمع النظام أي صوتٍ إعلامي لسردية مخالفة لسرديته، دفع الشباب الثائر لتوثيق حراكهم السلمي وإيصاله للعالم، بمقاطع مصورة عبر جوالاتهم الشخصيّة، ولم تنفع كل محاولاتها في إسكات الشباب الثائر، لتتشكل مع مرور الوقت تنسيقيات العمل الثوري التي نظمت الحراك ووطدت أركانه في مختلف مناطق ديرالزور.
ثورة وشهداء
وتابع نظام الدين: في أوائل حزيران 2011، ارتقى أول شهيد برصاص الأمن بالمدينة معاذ الركاض 17 عاماً، فتصاعدت وتيرة المظاهرات، وفي 22 تموز من العام نفسه في جمعة “أحفاد خالد بن الوليد”، خرجت دير الزور بمليونية حاشدة، وهو ما يعتبر ذروة الحراك السلمي بالمدينة، وفي شهر آب فرضت قوات النظام حصاراً على مركز المحافظة وبدأ الاجتياح في 28 تموز 2011، ليدخل المدينة في 7 آب 2011، فتحول مسار المظاهرات إلى مسلحة، ولاحقاً سيطرت فصائل الثورة على كامل دير الزور، لتبقى بضعة أحياء تحت قبضة النظام، وهي: (الجورة، وهرابش والقصور)، وبرز من قادة الثورة كل من : خليل البورداني، وقيصر الهنداوي، وآل الطباش، وآل الخرابة.. إلخ قائمة شهداء الثورة.
ويؤكد نظام الدين أنه وفقاً لتقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد الشهداء في محافظة دير الزور منذ بداية الثورة حتى 2023 أكثر من 10 آلاف شهيد، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، تعرّضت المدينة لقصف جوي وبري كثيف من قبل النظام السوري وحلفائه، خاصة خلال سنوات الحصار، ما أدى إلى دمار يقدّر بنسبة 85% من البنية التحتية في مركز المدينة، وتُعتبر دير الزور، كمركز مدينة، الأعلى نسبة في الدمار على مستوى سوريا بأكملها، وفق تقديرات الأمم المتحدة وتقارير منظمات دولية معنية بإعادة الإعمار.
النصر والتحرير
فرحة التحرر والخلاص من نظام القمع والاستبداد لا توصف، كما يوضح كمال العلي – من سكان مدينة الميادين، حيث سطرت دماء الشهداء وآلام الثكالى والأيتام، الخلاص من النظام المجرم، الذي استباح دير الزور بآلته العسكرية التي خلفت مجازر بالمدنيين وكان أبرزها مجازر القصور والجورة والرصافة.
وأكد توفيق الشيخ أن 14 عاماً انتظر فيها أهالي دير الزور لتتحقق أمنياتهم بالخلاص، سنوات عاشوها وسط الموت والتهجير، لكنهم بقوا موقنين بساعة تحررهم من هذه الطغمة الظالمة، والتي عاثت فساداً، مشيراً إلى أن إحياء ذكرى الثورة هو دافع من جديد للتحدي والإصرار على بناء سوريا جديدة، سوريا خالية من الخوف والقهر والذل، سوريا كرامة الإنسان والجامعة لأهلها بمختلف أطيافهم الطائفية والعرقيّة.