الحرية- باسمة إسماعيل:
تقف شجرة البطم شامخة كرمز من رموز الطبيعة والتراث، في جبال الساحل السوري، بين أشجار الصنوبر والبلوط، حاملة في أغصانها إرثاً طبيعياً وصحياً واقتصادياً قل نظيره، شجرة البطم أو كما يعرف محلياً بـ”الفستق الحلبي البري”، لم تعد فقط عنصراً من مكونات الغابة، بل باتت تشكل ثروة متجددة ينتظرها السكان كل عام، لما لها من استخدامات متعددة في الغذاء والدواء والصناعة.
قيمة بيئية وصحية مذهلة
البطم (Pistacia terebinthus) من الأشجار البرية المعمرة، تنمو طبيعياً في جبال اللاذقية وطرطوس، وتتميز بقدرتها على مقاومة الجفاف والظروف المناخية الصعبة، ثمارها الصغيرة التي تتدرج ألوانها من الأحمر إلى الأسود، تستخدم لإنتاج زيت عطري عالي القيمة، معروف بفوائده في علاج الروماتيزم وآلام المفاصل والمغص وأمراض الكبد، كما خبر صحيفة “الحرية” أبو العبد الذي يشتغل بالطب الشعبي، مشيراً أيضاً إلى خصائصه المغذية والمضادة للأكسدة.
وأضاف: زيت البطم، الذي يفوق زيت الزيتون كثافة بثلاث مرات، يحتوي على نسبة عالية من الأحماض الدهنية غير المشبعة، وخصوصاً حمض الأولييك، ما يجعله عنصراً مهماً في الوقاية من أمراض القلب والدورة الدموية.
استخدامات متعددة
وتابع: لا تقتصر فوائد البطم على الزيت فقط، فالصمغ المستخرج من لحاء الشجرة يستخدم تقليدياً في علاج الجرب والتقرحات الجلدية، وهو مضاد طبيعي للبكتيريا، أما الأوراق، فتوظف في الطب الشعبي وفي إعداد خلطات الزعتر العطرية المفيدة للجهاز التنفسي.
وفي المجال الغذائي، تدخل بذور البطم المطحونة في صناعة الخبز الصحي، حيث تزيد من محتوى الألياف وتحسن الطعم والقيمة الغذائية، كما تستعمل أوراقها في تغطية الكشك لإضفاء نكهة مميزة، وتحمص الثمار كنوع من التسالي الشتوية الشعبية.
صناعة دوائية وغذائية
تستخدم مستخلصات البطم في تحضير كريمات ومراهم لعلاج التهابات الجلد، بينما يدخل زيته في تركيبة مكملات غذائية وطبية طبيعية، وقدرته على تحسين صحة القلب والمناعة، كما أشارت دراسات علمية حديثة، من بينها دراسة سورية.
فرص اقتصادية واعدة
يرى المهندس الزراعي محمد أحمد أن شجرة البطم تمثل قيمة بيئية واقتصادية عالية، يجب استثمارها من خلال خطط زراعية مستدامة وتطوير الصناعات المرتبطة بها، مشيراً إلى أن زراعة البطم تحسن من خصوبة التربة وتحد من التصحر، كما توفر مصدراً للدخل في المناطق الريفية الجبلية.
وأكدت لصحيفتنا “الحرية” ندى من ريف جبلة أن زيت البطم ساعدها في التخفيف من آلام المفاصل، وتوصي باستخدامه لما له من فاعلية، بينما أوضح أحمد من ريف اللاذقية أن موسم البطم السنوي يمثل مورداً أساسياً لعائلته، يجمعون ثماره ويحولونها إلى زيت أو صابون.
الاستثمار والحفاظ على التراث
رغم قيمته العالية، لا يزال البطم مورداً مهملاً نسبياً، وفي ظل الاهتمام العالمي بالأعشاب والنباتات الطبية، تبرز الحاجة الماسة إلى تطوير مشروعات استثمارية تستند إلى هذا المورد الطبيعي، مع ضمان الحفاظ على البيئة والتقاليد الزراعية الأصيلة.
ليس شجرة بل قصة
البطم ليس مجرد شجرة بل هو فصل من فصول التراث السوري، يخفي في ثماره الصغيرة قصة غنية من الفوائد الصحية والاقتصادية، ويذكرنا دائماً بأن الطبيعة تقدم لنا الكثير، إن عرفنا كيف نحافظ عليها ونستثمرها بذكاء.