من هنا بدأت الحكاية.. الجامع العمري في درعا أيقونة الثورة ومهد انطلاقتها

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – عمار الصبح :

لايكاد يذكر تاريخ انطلاقة الثورة السورية في الـ18 من آذار عام 2011، إلا ويكون اسم الجامع العمري في مدينة درعا ملازماً للذكرى، وهو الذي شكل أول حاضنة للثورة، فمنه خرجت أولى المظاهرات ضد نظام القمع ليصبح مركزاً للتجمعات الشعبية آنذاك، ومنبراً لخطباء الثورة، وشاهداً حياً على لحظة تحوّل تاريخي شهدتها سوريا، انتقلت فيها من الاستبداد إلى الحرية.

تاريخ ضارب في القدم

يُعد “العمري” أحد أقدم المساجد في سوريا، ويعود بناؤه إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب في القرن السابع الميلادي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن البناء شهد إضافات وترميمات في فترات مختلفة، خصوصاً في العهدين الأيوبي والمملوكي، وظلّ الطابع المعماري العام محتفظاً بجذوره الإسلامية الأولى، سقوفه المقبّبة، مئذنته المربعة ذات الطراز المملوكي، والأقواس الحجرية المصقولة بعناية، تكوّن جميعها بنية معمارية تُظهر ملامح التاريخ الإسلامي المبكر في حوران.

وشهد الجامع عبر تاريخه الطويل تغيرات كثيرة ليس في هيكله وبنيته العمرانية، بل وأيضاً في دوره ورمزيته، إذ لم يكن فقط مكاناً للعبادة واداء الصلاوات فحسب، بل ومركزاً للحياة العامة في درعا، ففي ساحاته نُظمت حلقات العلم، ومنها خرج العديد من العلماء والفقهاء الذين لعبوا دوراً مؤثراً في الحياة الاجتماعية للمنطقة، وفي باحاته كانت تعقد المجالس، وتتم المصالحات العشائرية التي تشتهر بها حوران.

أيقونة الثورة

وإضافة إلى القيمة التاريخية والدينية يحمل الجامع العمري بعداً ثورياً مهماً، إذ شهد انطلاقة شرارة الثورة والاحتجاجات ضد النظام البائد في آذار 2011، ومن ثم تعرّض لقصف متواصل أدى إلى تدمير مئذنته بشكل كامل، وأضرار كبيرة في صحنه.

وتعود ذاكرة كثير من أبناء المنطقة الى تلك الفترة، مؤكدين أنه ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق التظاهرات من داخله، تحول الجامع إلى رمز لصمود أهالي المحافظة، فعمدت قوات النظام البائد إلى اقتحامه، إذ لم تكد تمضي سوى أربعة أيام على انطلاقة الشرارة الأولى للثورة، حتى شرعت قوات النظام البائد ومع ساعات فجر يوم الأربعاء، 2011/03/23، باقتحام أحياء درعا البلد والتوجه نحو الجامع العمري، بعد قطع الكهرباء والاتصالات، ووجهت مساجد درعا عبر منابرها نداءات استغاثة لإسعاف الجرحى وطلب النجدة وترديد عبارات تحث الأهالي على الصمود.

يروى العديد من أبناء المنطقة الذين عايشوا تلك الأحداث، كيف منعت قوات النظام سيارات الإسعاف والمواطنين في درعا المحطة من التوجه إلى درعا البلد لإسعاف الجرحى ونقل المصابين، بينما خاطب أحد الأشخاص في درعا المحطة قوات النظام التي تتوجه لاقتحام درعا البلد بالقول “يا خونة.. حدا بيقتل شعبه؟”.

وارتكبت قوات النظام مجزرة في فض اعتصام الجامع العمري قتل فيها 11 شخصاً على الأقل، كان من بين الضحايا الطفلة ابتسام محمد قاسم المسالمة (11 عامًا، استشهدت بإطلاق الرصاص العشوائي خلال الاقتحام)، والطبيب علي غصاب المحاميد الذي قُتل بإطلاق الرصاص بينما كان في سيارة الإسعاف (وهو أول طبيب يستشهد بنيران النظام البائد في الثورة السورية)، وشهد ذلك اليوم انتشاراً كثيفاً لقوات النظام في المسجد العمري ومحيطه وشوارع درعا البلد، وسط إغلاق المحالّ التجارية.

ولم يكتفِ النظام بما فعله من مجزرة في الجامع ليلاً، فأثناء خروج مظاهرة لتشييع ضحايا الاقتحام ردد الأهالي شعارات ضد النظام تنادي بالفزعة لدرعا، ولكن تمت مواجهتها بالرصاص الحيّ من قوات الأمن المنتشرة، ما أدى إلى إصابة واستشهاد العشرات.

شموخ المنتصرين

وتوالت الأحداث جمعة بعد أخرى وظل الجامع العمري محور هذه الأحداث وغدا القلب النابض للمدينة، وتحول إلى أيقونة ورمز للثورة، يرتبط بها أهل درعا ارتباطاً يتجاوز الطقوس الدينية ليصل إلى الذاكرة الجماعية والانتماء المكاني، ولعل هذا ما حاول النظام البائد محوه دون فائدة، إذ جعله النظام هدفًا لقواته التي أمطرته بعشرات القذائف والصواريخ، وحوّلت أروقته إلى ساحات للمعارك، قبل أن يدمّر مئذنته التاريخية في نيسان 2013.

واليوم يقف الجامع العمري شامخاً، كأحد أبرز الشواهد التاريخية والدينية في درعا، جامعٌ شكّل محوراً ثقافياً وروحياً واجتماعياً لأهالي المدينة على مر العصور، يحكي تاريخ مدينة وقصة ثورة انتصرت بفضل تضحيات أبنائها ودمائهم الزكية التي عبّدت الطريق إلى التحرير.

Leave a Comment
آخر الأخبار