الحرية -سناء عبد الرحمن:
تعكس ثقافة الاستهلاك في أوقات الأزمات ما هو أبعد من مجرد نشاط اقتصادي اعتيادي؛ فهي مرآة دقيقة للمخاوف الإنسانية العميقة. وعند وقوع اضطرابات اقتصادية أو سياسية أو صحية، يتجاوز الاستهلاك كونه قراراً فردياً ليصبح سلوكاً جماعياً معقّداً تحكمه مشاعر القلق وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور وجد رفيق الصائغ، المدرس في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا لـ”الحرية “، أن هذه السلوكيات الاستهلاكية في الأزمات ترتبط بشكل مباشر بعوامل نفسية جماعية تؤثر في حركة السوق وتوازناته.
التحول من العقلانية إلى الغريزة
بين الصائغ أن المستهلك يتصرف في الظروف الطبيعية بعقلانية، باحثاً عن الجودة مقابل السعر. لكن الأزمات تُحدث تحولاً جذرياً في هذا السلوك، حيث يبرز ما نسميه “الهلع الشرائي” بوصفه استجابة نفسية للبقاء، تكديس السلع الأساسية (غذاء، دواء، طاقة) لا يعكس نهم الاستهلاك بقدر ما يعكس محاولة لتعويض الشعور بفقدان الأمان. ومع تعميم هذا السلوك، تنشأ “ندرة مصطنعة” تؤدي إلى اختفاء السلع وارتفاع الأسعار رغم عدم وجود نقص حقيقي في الإنتاج.
عندما تحكم المشاعر السوق
كما أشار إلى أن الخوف يتحول في الأزمات إلى عامل اقتصادي مؤثر، مكوّناً ما يمكنني وصفه بـ”اقتصاد الخوف”، حيث تتراجع القوانين التقليدية للسوق أمام ضغط المشاعر الجماعية.
سلوك القطيع: يدفع تقليد الآخرين إلى خلق طلب مفرط على السلع.
تعطيل قانون العرض والطلب: في الظروف العادية، ترتفع الأسعار عندما يزيد الطلب الحقيقي على العرض. أما في زمن الخوف، فترتفع الأسعار بسبب “صدمة الطلب” حتى لو كان العرض متوفراً. فالمشتري يشتري بدافع الخوف وليس بدافع الحاجة.
انتقال الخوف من الطلب إلى العرض: فالبائع يخاف من احتمال ارتفاع سعر السلعة أو من عدم قدرته على تعويضها بالتالي يحجب البضاعة عن السوق.
النبوءات المحققة ذاتياً: تتحول الشائعات إلى واقع بفعل استجابة الجماهير لها.
من يتحمل المسؤولية؟
موضحاً أن الفرد يتصرف في الأزمات بدافع حماية أسرته، وهو سلوك مفهوم. لكن تراكم هذه التصرفات الفردية يولّد فوضى جماعية في السوق.
هنا يبرز دور الدولة كعامل حاسم في إدارة الأزمة، ليس فقط عبر التدخل الاقتصادي، بل من خلال بناء الثقة العامة.
إدارة الثقة قبل إدارة الأسعار
وأكمل أنه يتمثل الاختبار الأول لأي حكومة في قدرتها على احتواء الخوف، عبر الشفافية وسرعة التواصل. فكل تأخير في تقديم المعلومات ينعكس مباشرة على السوق بزيادة القلق وارتفاع الأسعار.
بعد ذلك يأتي دور الأدوات التقليدية: تأمين السلع، ضبط الأسواق، ومنع الاحتكار. إلا أن فعالية هذه الإجراءات تبقى محدودة في غياب الثقة.
وختم الصائغ: السوق مرآة للثقة، ولا ينشأ الغلاء في الأزمات من سبب واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقّد بين سلوك المستهلك، وقرارات التاجر، وأداء الدولة. وفي النهاية، تبقى الثقة هي العامل الحاسم: فحين تغيب، يتحول الخوف إلى السعر الأعلى الذي يدفعه الجميع.