مواجهة صريحة للملفات الشائكة

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- بقلم يسرى المصري:

“لا يمكن لأحد أن يفتخر بأن لديه أموالاً في جيبه وأطفاله يتضورون جوعاً”..
معضلة حقيقية في الاقتصاد السوري فاجأت الجميع.. هذه المفارقة اللافتة، كشف عنها وزير المالية بقوله “فائض مالي في ظل اقتصاد منهك”.
تصريحه بأن “هذا الفائض لا يعكس وضعاً مثالياً” يلامس جوهر المعضلة السورية، فبينما توجد مؤشرات مالية قد تتحسن يقابلها سوء بالأوضاع الإنسانية والخدمية.
هذا الفائض، الذي أومأ إليه وزير المالية، نتج عن “مكافحة الفساد وضبط الإنفاق الاستثماري”، وهو ما يطرح سؤالاً حول طبيعة الأولويات في مرحلة إعادة الإعمار.
في قراءة تحليلية لتصريحات الوزير محمد يسر برنية نجد أن الحكومة تتبنى خطاب الشفافية.. (كل ليرة ستدخل الموازنة العامة ستعرفون من أين جاءت وأين أُنفقت) وهذا بحق يمثل تحولاً في الخطاب الرسمي السوري، الذي ظل لسنوات يعاني من ضبابية كبيرة في البيانات المالية.
أضف إلى ذلك أن وعد الوزير بنشر تقارير مالية دورية بعد إقرار الموازنة يحمل دلالتين.. الأولى تأكيد الشرعية عبر الانفتاح، والثانية الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بالشفافية كشرط لأي مساعدات أو تعاون مستقبلي.
كما يعد إعلان “تصفير الدين الداخلي” إنجازاً تقنياً مهماً، ويبين تحولات عميقة في السياسة النقدية وعلاقة الحكومة بالبنك المركزي. أما تقدير الدين الخارجي بـ 4.5 مليارات دولار، فهو رقم أقل بكثير من تقديرات خارجية سابقة.
برنية وصف ديون إيران وروسيا بـ “البغيضة”، وحديثه عن إعداد “مطالبات مالية مضادة بأضعاف ما يُطلب” يمثل لحظة استثنائية في الخطاب الدبلوماسي السوري.
هذه اللغة الجديدة تعكس محاولة لإعادة التفاوض من موقع القوة أو الندّية، وتعد استجابة لضغوط داخلية من شرائح ترفض التبعية الاقتصادية وتؤكد التحول في التحالفات وموازين القوى الإقليمية.
كما يمكن استخدام هذا الملف كورقة تفاوضية في التسويات السياسية الأوسع.
لقد جاء تأكيد الوزير أن الدولة “لن تنافس القطاع الخاص” وخطة إعادة هيكلة شركات القطاع العام تمثل تحولاً جوهرياً في النموذج الاقتصادي السوري، الذي ظل لسنوات يعتمد على القطاع العام كقاطرة للاقتصاد.
هذا التوجه يتسق مع سياسات صندوق النقد الدولي وبرامج الإصلاح الهيكلي، لكنه قد يثير مخاوف اجتماعية في ظل اقتصاد غير قادر على خلق فرص عمل كافية.
وبينما اعترف الوزير باستخدام الدولار كـ “مرحلة انتقالية” نفى التوجه الدائم نحو الدولرة، ما يعكس التوجه في السياسة النقدية السورية لاستعادة الثقة بالليرة الوطنية ويتزامن ذلك مع إقرار الحكومة بأن هذا التحول “لن يتم بقرارات قسرية أو أمنية”.
كان من المهم الوقوف عند خطاب الوزير برنية لأنه يمثل محاولة جريئة لبناء سردية جديدة للاقتصاد السوري، تقوم على الشفافية والانضباط المالي وإعادة تعريف دور الدولة والمواجهة الصريحة للملفات الشائكة، مع تبني لغة المساءلة والمحاسبة.
تصريحات وزير المالية في مجملها، تعكس جهود الدولة للانتقال إلى لغة الإصلاح، لكنها تترك الباب مفتوحاً للتساؤل عن إمكانية تحقيق هذا الانتقال بسلاسة في ظل استمرار الضغوط والتحديات ومحدودية الكفاءات.

Leave a Comment
آخر الأخبار