موسم مطري مبشر في حلب يفتح باب الأسئلة حول إدارة المياه والأمن الغذائي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – جهاد اصطيف:

رغم أن سوريا تصنف اليوم ضمن البلدان الأشد فقراً مائياً في المنطقة، إلا أن الهطلات المطرية الأخيرة، ولا سيما في محافظة حلب، أعادت شيئاً من التفاؤل لدى المزارعين والمهتمين بالقطاع الزراعي، وفتحت في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول كيفية الاستفادة القصوى من كل قطرة ماء في ظل واقع مائي متدهور وتغيرات مناخية متسارعة.
ووفق معطيات البنك الدولي، تراجعت حصة الفرد من المياه المتجددة في سوريا من نحو 1700 متر مكعب سنوياً عام 2003 إلى أقل من 700 متر مكعب حالياً، في حين يعد خط الندرة المائية عند أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنوياً، ما يضع البلاد رسمياً ضمن خانة الندرة المائية المطلقة.

إدارة المياه.. ضرورة لا خيار

في هذا السياق، أوضح رئيس دائرة الأراضي والمياه في مديرية الزراعة بحلب المهندس ياسر جدوع في حديثه لصحيفتنا “الحرية” أن هذا الواقع يفرض التفكير بأساليب مختلفة كلياً عن السابق في إدارة الموارد المائية، مؤكداً أن الاعتماد على الأنماط التقليدية لم يعد ممكناً.
وقال جدوع: يتوجب علينا التفكير بطريقة مختلفة عما كنا سابقاً بالنسبة لإدارة مواردنا المائية، وعلى رأسها الاستفادة المثلى من مياه الأمطار، ولا سيما أن سوريا تقع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة.

الحصاد المائي.. عودة إلى حكمة الأجداد

وأشار جدوع إلى أن الحصاد المائي وتجميع مياه الأمطار (Rain Water Harvesting) يعد من أهم الحلول المطروحة حالياً، سواء على مستوى المزرعة أو المنزل أو المجتمع المحلي والقرى، لافتاً إلى أن هذه التقنيات ليست جديدة، بل مارسها الأجداد بشكل عفوي في فترات الوفرة المائية وقلة عدد السكان.
كما شدد على أهمية تغذية المياه الجوفية اصطناعياً من خلال حفر أحواض مسامية في مسارات الوديان لتسريب المياه إلى الطبقات الجوفية، وإنشاء الحواجز والسدات المائية تحت الأرض لوقف الجريان وتحويله إلى تخزين محلي.

تقنيات حديثة للحد من الهدر

وفيما يتعلق بتقليل الفاقد المائي، أكد جدوع ضرورة التوسع في استخدام أنظمة الري الحديث، والري المسائي للحد من التبخر، وزراعة الأصناف المتحملة للجفاف، واستخدام الملش (الرقائق البلاستيكية)، وتطبيق الزراعة الحافظة وزيادة المادة العضوية في التربة لتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.

الأمطار تنعش القمح والشعير

وعن تأثير الأمطار الأخيرة على المحاصيل الشتوية، ولا سيما القمح والشعير، أوضح جدوع أن هذه المحاصيل في حالة ممتازة نتيجة الهطلات الأخيرة، مضيفاً: في حال استمر الموسم المطري بشكل جيد دون فترات انقطاع طويلة، وكانت أمطار الربيع (آذار ونيسان) جيدة، فسيكون موسم الحصاد لهذا العام جيداً إن شاء الله.

تأخير الزراعة.. متى يكون خياراً؟

وبخصوص تأخير الزراعة بانتظار استقرار الهطولات، بيّن جدوع أنه لا مانع من ذلك ضمن حدود معينة، شرط وجود تنبؤ مناخي دقيق وشبه مؤكد، أما في حال طال التأخير، فالأفضل الالتزام بالموعد المحدد للزراعة مع إعطاء رية إنبات أو رية ثانية عند غياب الأمطار.

الفيضانات وانجراف التربة.. حلول متكاملة

وتطرق رئيس الدائرة إلى أفضل الممارسات لتجنب الفيضانات وانجراف التربة، والتي تشمل ممارسات زراعية كـالحراثة الكونتورية والزراعة الشريطية، واستخدام ممارسات هندسية مثل السدود الصغيرة والجدران الاستنادية، وكذلك ممارسات نباتية كتشجير المنحدرات وزراعة المسطحات الخضراء.

الجفاف وارتفاع الحرارة.. واقع لا مستقبل

وحول التحديات المناخية، شدد جدوع على أن الجفاف وارتفاع درجات الحرارة ليسا تحديات مستقبلية بل هما واقع متفاقم، موضحاً أن الاستراتيجيات الزراعية للتعامل معها تشمل توسيع شبكات الري الحديث، وبناء السدود الصغيرة وخزانات تجميع الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة، واعتماد الزراعة التكيفية والأصناف المقاومة للجفاف والحرارة.
وفيما يخص تسميد التربة في ظل الظروف المطرية، أوضح جدوع أن طرق الإعداد لا تختلف كثيراً عن الظروف الأخرى، مع ضرورة تجنب الإفراط في التسميد الآزوتي أثناء الهطولات الغزيرة، مؤكداً أن تحليل التربة يبقى الخطوة الأهم قبل وضع أي برنامج تسميد.

توقعات مطرية إيجابية

وأكد جدوع أن مديرية الزراعة تعتمد في توقعاتها على المؤسسة العامة للأرصاد الجوية، مشيراً إلى أن المؤشرات الحالية إيجابية، حيث بلغت نسبة الهطلات في محافظة حلب حتى الآن نحو 35% من المعدل العام، مع توقعات باستمرارها.

خبير زراعي: موسم واعد بشرط الإدارة السليمة

من جانبه، رأى الخبير الزراعي المهندس حسن عبد الغفور أن الموسم المطري الحالي في حلب مبشر ومهم للغاية، لكنه حذر من التفاؤل غير المدروس، قائلاً : الأمطار وحدها لا تكفي، والمطلوب إدارة ذكية للمياه والتربة، وإلا فسنعود إلى الحلقة نفسها من الهدر ثم الشكوى من الجفاف.
وأضاف إن الاستثمار في الحصاد المائي والزراعة الحافظة هو الضمان الحقيقي لاستدامة الإنتاج.

فلاحون: الأمطار أعادت الروح للأرض

أما الفلاح أحمد أمين من ريف حلب الجنوبي، فقال إن الأمطار الأخيرة أنقذت الموسم، مضيفاً: الأرض شربت بعد سنوات قاسية، والقمح بات مخضراً ومبشراً.
فيما أشار الفلاح محمود أحمد من ريف السفيرة إلى أن انتظام الأمطار خفف كثيراً من تكاليف الري، معرباً عن أمله بموسم حصاد جيد يعوض جزءاً من خسائر السنوات الماضية.

ترسيخ ثقافة جديدة

بين واقع مائي بالغ الصعوبة وموسم مطري يحمل بشائر أمل، تقف الزراعة في حلب وسوريا عموماً عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تتحول الأمطار إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الأمن المائي والغذائي عبر إدارة رشيدة ومستدامة للموارد، أو أن تبقى مجرد حدث موسمي عابر لا يلبث أثره أن يتلاشى مع أول موجة جفاف، وبين دعوات الخبراء وتجربة الفلاحين ورؤية المؤسسات الزراعية، تبدو الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لترسيخ ثقافة جديدة في التعامل مع الماء، بوصفه ثروة وطنية لا تحتمل الهدر، وأساساً لا غنى عنه لاستقرار الريف واستمرار الإنتاج الزراعي في مواجهة تحديات المناخ والندرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار