الحرية- علي الرّاعي:
السنة الثالثة على الغياب، سنواتٌ ثلاث كأنها البارحة.. حيث تحضر الشخصية المثقفة الممتلئة ليس بالمعرفة وحدها، بل المفعمة بالمحبة لكلّ من عرفها..
في حواراتي الكثيرة مع الأديب ناظم مهنّا؛ كنتُ سألته مرةً: من ميزات القص عندك؛ ميزة لافتة.. وهي شغفك بالموت لدرجة لا تخلو قصة من قصصك من فعل الموت.. لماذا كان الاهتمام بموضوع الموت حد الشغف؟.. فيُجيب: “نعم.. الملاحظة صحيحة، وهذا لم أتقصده، وبالفعل يحتاج إلى تبرير أو تفسير.. أعتقد أن الحياة والموت حقيقة واحدة، من أكثر الحقائق تحققاً يُلامسها الإنسان في كلِّ مراحل العمر، ولا أرى تضاداً بين الموت والحياة، إلا عندما نُبسط الأمر، وإذا كنا نحبُّ الحياة يقودنا الأمر إلى القلق من الموت.. ويُضيف: الإنسان يصطدم بالموت منذ اللحظة التي يدرك فيها ذاته المتصلة والمنفصلة، وثقافتنا تُعطي الموت حيزاً كبيراً من اهتمامها، وعالم ما بعد الموت مادة خصبة للخيال وللسرد القصصي يمكن مراودتها بالتهكم للتخفيف من جديتها الحادة، نحن نخاف من موت الآخرين وفراق الأعزاء، وأنا شخصياً رغم إدراكي لواقعية الموت ينتابني شعور الخوف من فراق الذين يتركوننا ويمضون..”..
مكتبة متنقلة
ناطم مهنّا (1960-2023) المثقف الذي كان أشبه بمكتبة متنقلة، يفيضُ بمعارفه الواسعة على جلسائه في المكتب وفي المقهى، وعلى الرصيف، وفي الطرقات، وفي الأماسي والسهرات، وذلك بمختلف صنوف المعرفة والثقافة.. في الذكرى الثالثة لرحيل مهنا، تبدو العودة إلى منجزه السردي ضرورة نقدية قبل أن تكون استعادة وجدانية. فالرجل الذي ارتبط اسمه بالقصة القصيرة بوصفها خياره الفني الأبرز، لم يكن مجرد كاتب متمرس في هذا الجنس الأدبي، بل كان صاحب مشروع سردي واضح المعالم، أسهم في ترسيخ مكانة القصة السورية ضمن أفقها العربي الحديث.
بعيداً عن الضجيج
منذ نشر أولى قصصه سنة 1979 في مجلة “الثقافة”، ثم انفتاحه على الصحافة اللبنانية مطلع الثمانينيات، أخذ مهنا يبلور صوته الخاص بعيداً عن الضجيج، مستنداً إلى وعي عميق باللغة وإلى حساسية عالية تجاه التفاصيل اليومية. لم يتعامل مع القصة بوصفها حكاية فحسب، بل بوصفها بناءً دقيقاً يقوم على اقتصاد لغوي، وتوتر داخلي، وقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية في ذروتها الصامتة.
الأرض القديمة
في مجموعاته التي ضمّها كتابه القصصي، مثل “الأرض القديمة، منازل صفراء ضاحكة، حراس العالم، ومملكة التلال”، تتبدّى ثيمات متكررة تشكّل عصب تجربته: المكان بوصفه ذاكرة، الإنسان بوصفه كائناً هشّاً في مواجهة تحولات قاسية، والطفولة كمرآة للبراءة المهددة.. العناوين ذاتها تكشف عن اشتغال رمزي؛ فـ”الأرض القديمة” ليست مجرد إحالة جغرافية، بل استعارة لجذور مهددة بالتآكل، و”منازل صفراء ضاحكة” توحي بمفارقة تجمع بين البهجة الظاهرية والاصفرار الذي يشي بالذبول، فيما “حراس العالم و“مملكة التلال” تنفتحان على أبعاد تأملية تتجاوز الواقعي إلى ما هو أقرب إلى المجازي.
الانحياز إلى الإنسان
تميّزت قصص مهنا بانحيازها إلى الإنسان العادي، بعيداً عن البطولات الصاخبة. شخصياته غالباً ما تتحرك في هامش الحدث الكبير، لكنها تحمل في داخلها صراعات عميقة. كان يشتغل على ما يمكن تسميته “دراما التفاصيل الصغيرة”، حيث يتحول حدث عابر أو موقف يومي إلى مدخل لسؤال وجودي. هذه القدرة على تكثيف التجربة الإنسانية ضمن مساحة محدودة هي ما منح نصوصه طابعاً حداثياً، من دون أن تقع في غموض متكلّف.
حيث تقوم لغته السردية على توازن لافت بين الشاعرية والوضوح. كما لم يتخلَّ عن حسّه الشعري، لكنه لم يسمح له أن يطغى على البناء القصصي. وتأتي الجملة عنده مشغولة بعناية، تميل إلى الإيجاز، وتبتعد عن الترهل، بما ينسجم مع طبيعة القصة القصيرة التي تتطلب دقة واقتصاداً. كما اعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، فترك فراغات مقصودة تتيح للقارئ أن يكون شريكاً في إنتاج المعنى.
ومن الناحية البنائية، اتسمت كثير من قصصه بانفتاح النهايات. لم يكن معنياً بإغلاق الحكاية بقدر ما كان معنياً بفتحها على احتمالات متعددة. هذه التقنية تعكس رؤيته للعالم بوصفه فضاءً غير مكتمل، ومشحوناً بالأسئلة. لذلك بدت نصوصه أقرب إلى لحظات مكثفة من الحياة، تُقتطع من سياقها الواسع، لكنها تظل مشبعة بإحساس الامتداد.
بابل الجديدة
إلى جانب القصة، كتب مهنا الشعر والرواية والمقالة، وأصدر كتاب الرائع “”بابل الجديدة” الذي ضم مقالات في الثقافة والأدب، كاشفاً عن وعي نقدي يوازي حسّه الإبداعي. وفي مقالاته، كان يميل إلى التأمل في تحولات المشهد الثقافي، وإلى الدفاع عن دور الأدب بوصفه مساحة للحرية والتفكير. كما أن إنجازه كتيبين عن ممدوح عدوان ومحمد الماغوط ضمن سلسلة “أعلام مبدعون” يشي بانشغاله بتوثيق التجارب الإبداعية السورية، وقراءتها من الداخل، لا بوصفها أسماء لامعة فحسب، بل بوصفها مشاريع فكرية وجمالية.
وكان تولّيه رئاسة تحرير مجلة المعرفة سنة 2016 شكّل امتداداً طبيعياً لدوره الثقافي. فالمجلة، بوصفها من أقدم المنابر الثقافية العربية، كانت بالنسبة إليه فضاءً لتكريس قيم الحداثة والتنوير، واحتضان الأصوات الجديدة. ويمكن القول إن تجربته التحريرية لم تنفصل عن رؤيته السردية؛ ففي الحالتين كان منحازاً إلى الجودة، وإلى نصّ يحمل هماً معرفياً وجمالياً في آن.
بعد ثلاث سنوات على رحيله في 10 شباط 2023، يبدو منجز ناظم مهنا أكثر وضوحاً في سياقه العام. لقد مثّل جيلاً سعى إلى تجديد القصة السورية من داخلها، عبر تطوير أدواتها لا عبر القطيعة مع تراثها. حيث جمع بين الوفاء للواقع والانفتاح على الرمز، بين بساطة السطح وعمق البنية، وبين الالتزام الإنساني والوعي الجمالي. وقراءة ناظم مهنا اليوم ليست مجرد استذكار لكاتب راحل، بل هي دعوة لإعادة تأمل القصة القصيرة بوصفها فناً قادراً على اختزال العالم في صفحة، وعلى جعل التفاصيل الصغيرة مرآة لأسئلة كبرى.