الحرية – لبنى شاكر:
بعيداً عن الأخبار والتغطيات والتفاصيل التي يتطلبها العمل الصحفي، نقرأ لـ نجوى صليبه هذه المرة، قصصاً لا يتحكم الزمن بمواعيد نشرها، تُصاغ فيها الكلمات لرسم الحكايات لا لنقل الوقائع. في مجموعتها القصصية الأولى “صيغة توافقية” تفتح الزميلة باباً جديداً للنقاش حول العلاقة بين الصحافة والأدب؛ فهل كان انحيازها للكتابة عن النّاس العاديين، محاولة للتّوثيق في شكله البسيط؟، وهل كان التكثيف الذي غلّف نصوصها إرثاً للخبر الصّحفي الذي اعتاده قلمها أم هي محاولة للكتابة في تنويعات الأدب الوجيز؟
“مشروع الكتابة الأدبية كان من ضمن طموحاتي التي رافقتني مذ كنت على مقاعد الدّراسة”
* نقرأ في “صيغة توافقية” توليفة من المواقف والحكايات، وربّما الأسرار، متى أصبحتِ جاهزة للانتقال من الكتابة الصحفية إلى الأدبية؟
لكي أجيب عن هذا السّؤال، لا بدّ من العودة بالذّاكرة إلى أيّام الدّراسة الإعدادية ومن ثمّ الثّانوية، إذ شكّلت المواضيع الإنشائية التي كان أساتذة اللغة العربية يكلّفوننا بها البذرة الأولى لشغف الكتابة، وكنت أفرح عندما أنجز وظيفتي على أتمّ وجه، وكان فرحي يزداد عندما يختارني المعلّم أو المعلّمة لقراءة الموضوع أمام زملائي، أمّا جائزتي فكانت عندما يكتب رأيه بما كتبت، وهو في كلّ الأوقات يشيد بالأسلوب واللغة والتّعبير، طبعاً هذا بالإضافة إلى التقاطات كنت أكتبها وأحتفظ بها، وفي مرحلة الجامعة كذلك الأمر، حتى لمّا بدأت العمل الصّحفي منذ عام 2005، كنت أكتب وأحتفظ بما أكتب حتّى يأتي الوقت المناسب لإشهاره، لأنّ مشروع الكتابة الأدبية كان من ضمن طموحاتي التي رافقتني مذ كنت على مقاعد الدراسة، لكن بطبعي لا أبوح بكلّ ما أطمح إليه أو أخطط له، وكنت عندما يسألني أحد الأصدقاء أو المعارف عمّا سأفعله بعد أن درست ما أحبّ وعملت في المجال الذي أحبّ، كنت أجيب: “ما يزال أمامي الكثير”.. دائماً كنت جاهزة للكتابة الأدبية لكن الوقت لم يكن جاهزاً، فالعمل الصّحفي يستهلك جلّ وقتنا، ومع ذلك كنت دائماً مستعدة لهذا الوقت الذي أعرف أنّه سيأتي وتركته على راحته.
* في الوقت الذي يتبارى فيه كتّاب وموثّقون للحديث عن أبطال ومواقف غير اعتيادية، تأتي مجموعتك الأولى عن النّاس العاديين أولئك الذين يشبهوننا، هل هي محاولة للتّوثيق بشكله البسيط؟
إجابتي تنطبق على الكتابة الأدبية والصّحفية معاً… بطبعي أحبّ البساطة في كلّ شيء، في السّلوك والتّعامل والحياة، إلّا بالتّفكير، أفكّر كثيراً وأحلّل كثيراً، لكن أقول القليل وفي وقته المناسب، القصد هو أنّي لا أحبّ فرد العضلات اللغوية والمصطلحاتية، ولا الحشو ولا المبالغة، ولا اللف والدّوران، أحبّ أن تكون الأمور واضحة وصريحة، مع العلم أنّ خلف الصّراحة ما خلفها، أي هنا تكمن القوّة في الأسلوب البسيط بالكتابة عن أشخاص يشبهوننا ليسوا من كوكب آخر، عن أشخاص نقابلهم في الحارة والشّارع والحافلة والعمل، وأشخاص لا يشغل بالهم سوى تأمين لقمة عيش أبنائهم والعودة إلى منازلهم بخير وسلام، والتّوثيق لا يكون إلّا بالصّراحة والوضوح والبساطة، ودائماً كنت أقول إنّ بعض الأبطال أبطال على الورق فقط، لأنّ أشخاصاً تجمعهم بهم صداقة أو مصلحة يعملون على تضخيم كلّ ما يفعلون وتثمين كلّ ما يقولون.
“التّوثيق لا يكون إلّا بالصّراحة والوضوح والبساطة..دائماً كنت أقول إنّ بعض الأبطال أبطال على الورق فقط”
* إلى أي درجة كنت صادقة وجريئة في محاولتك الكلام عن نفسك وعن الهامش السّوري المنهك؟
عموماً أنا أنثى سيدة نفسي، وكنت حرّة في تفكيري وسلوكي وطموحي وآرائي، ولم أكن يوماً تابعة لشخص أو فكر أو انتماء، لذلك ومن خلال قراءاتي ومتابعاتي أدركت أنْ لا حرية مطلقة في أي بلد، لذا على كلّ إنسان أن يجد الطّريقة التي يعيش فيها حرّاً قدر الإمكان من دون أن يعرّض نفسه للأذى، بالنّسبة إليّ حاولت دائماً أن أقول قناعاتي وأكتبها، والأفكار التي لم تكن تعجبني أو لا أتوافق معها ومن الخطر الكتابة فيها كنت لا أذكرها، لكي لا أضطر على الكذب على نفسي أو على الآخرين، أمّا الهامش السّوري المنهك فأنا منه وغالبيتنا منه، ويُقال عنه الكثير ويُكتب فيه الكثير، لذا أقول إنّ الصّدق والجرأة في هذه المجموعة بأعلى درجاته.
* في “عيد المرأة” و”القلب الأحمر” و”الأنيق المتقدّم” شيء من سخرية ناقدة وتهكمية، هل يمكن لتجارب قادمة أن تنحو باتجاه الكتابة السّاخرة أو الهزلية كلياً؟
صحيح.. بعض الأفكار تفرض ذاتها وتختار الأسلوب المناسب لها من حيث لا ندري، وبعضها نحتار بأي أسلوب نكتبها لكي تحقق غايتنا منها، مبدئياً نعم لديّ الكثير من مسوّدات القصص التي تندرج تحت الكتابة السّاخرة، وكان من الممكن إضافتها إلى المجموعة، لكنّي توقّفت عند شعوري بأنّ تلك القصص كافية للمجموعة.
* في مجموعتك ميل واضح للتّكثيف، هل هي عدوى الخبر الصّحفي أم هي محاولة للكتابة في تنويعات الأدب الوجيز؟
**لم أبدأ مسيرتي الصحفية بكتابة الخبر بل بالزوايا والتحقيقات، وحتى في تغطياتي كنت أعتمد أسلوباً قصصياً بعيداً عن التقليدي، لذا فإن ميلي للتكثيف لم يكن بسبب “عدوى الخبر”، إنما نتيجة قراءاتي المبكرة وتفاعلي مع متطلبات عصر السرعة. وجدت أنه من الممكن إيصال أفكار عميقة بكلمات أقل، وهو ما يتماشى مع طبيعتي التي تميل إلى المختصر المفيد، فما يمكن قوله بكلمة لا يحتاج لخمس كلمات؛ ولم يكن هدفي من هذا التوجه محاكاة “الأدب الوجيز”، ردت أن تكون المجموعة تشبهني وتشبه شخصيتي وأسلوبي عموماً.