نزيه أبو الريش.. ملك العود في مواجهة المحنة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – أمين سليم الدريوسي:

حيث تتسارع الأخبار وتختلط المعلومات حول حالته الصحية، يتلقى الوسط الفني السوري والعربي بقلق بالغ أنباء متضاربة عن الأزمة التي يمر بها عازف العود العالمي نزيه أبو الريش. المعروف دولياً باسم «Nazih Borish»، والذي حمل اسم سوريا عالياً على مسارح العالم، يرقد اليوم داخل غرفة العناية المركزة في أحد مستشفيات كندا، بعد أزمة صحية قاسية ألمّت به.

نزيه أبو الريش، ابن اللاذقية، ذلك العازف الفريد الذي أعاد اكتشاف آلة العود وخلط بين ثقافات العالم ليصنع بصمته الخاصة، لم يكن مجرد موسيقي عابر، بل حالة استثنائية في تاريخ الموسيقا العربية، فمنذ نعومة أظفاره، وتحديداً في الرابعة من عمره، بدأ يتعلم العزف السماعي، متأثراً بوالده الذي كان يملك صوتاً جميلاً ويعزف على العود، لم يدرس الموسيقا أكاديمياً، لكنه درّسها لعشرات العازفين في اللاذقية، وأنشأ جيلاً كاملاً من المبدعين.

ملك الهارموني

يصفه المقربون منه بأنه «ملك الهارموني»، ليس فقط لمهارته الفائقة، بل لأنه استطاع أن يحوّل آلة العود إلى كون موسيقي متكامل، يعزف وحده ما تعزفه أوركسترا كاملة. وهو في نظرهم «امتداد فريد الأطرش والسنباطي ووديع الصافي وعبادي الجوهر»، لكنه استثنائي في قدرته على إظهار إمكانيات خارقة لهذه الآلة العريقة، حيث يخلط بين المقامات الشرقية والهارموني الغربي في توليفة لا تشبه إلا روحه.

فعندما يعزف نزيه، يصغي له عازفو العود في العالم كله، ليس كجمهور عادي، بل كتلاميذ يتعلمون من أستاذ، وكذلك مبدعون يكتشفون في عزفه تقنيات جديدة وآفاقاً غير مطروقة، إنه مرجع لا يجارى، وظاهرة نادرة في تاريخ الموسيقا العربية.

وما يزيد من مكانته أنه رفض تغيير اسمه الأخير ليستغل شهرة أي موسيقار آخر، وظل وفياً لاسمه «أبو الريش» الذي يحمله بكل فخر. ولم يتملق الأثرياء في الخليج أو الغرب ليحفر اسمه في سجلات الشهرة، بل سلك طريقاً آخر أكثر نبلاً، جعل فنه قوياً بما يكفي ليكون بطاقة عبوره إلى العالمية. ولذلك جاءته الدعوات من كبرى المؤسسات الفنية في العالم تقديراً لموهبته الاستثنائية، لا طلباً لرعايتها.

من اللاذقية إلى مونتريال.. رحلة العود الذي أنطقته الغربة

بعد عام 2011، حمل نزيه أبو الريش عوده وغادر سوريا، ليس طواعية، بل غادرها مضطراً تحت وطأة الحرب، غادر اللاذقية حيث نشأ وتعلم وعلم، حاملاً معه صندوقاً خشبياً يضم روحاً كاملة، فخسرته سوريا، كما خسرت الكثير من مبدعيها الذين لم تجد لهم مكاناً في وطن يلفظ أبناءه، ليربحهم العالم.

بدأت رحلة نزيه في المنفى كمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن سرعان ما تحولت إلى انتصار، حيث جال في أهم المسارح العالمية، في «باريس، برلين، نيويورك، لندن»، وغيرها من المدن التي اكتشفت من خلاله أن العود ليس مجرد آلة شرقية، بل هو كون موسيقي متكامل.

استقر أخيراً في مونتريال الكندية، المدينة التي احتضنته ومنحته الاستقرار الذي بحث عنه طويلاً. هناك وجد بيئة فهمت موسيقاه وقدّرتها حق قدرها، حتى قال إن الكنديين «أكثر من فهموا فنه»، وفي مونتريال، أصبح نزيه جزءاً من المشهد الثقافي، ورسولاً للعود السوري في محافل العالم.

سكتة قلبية ومعجزة بانتظار التحقق

اليوم، يتوقف نبض الأمل عند سرير الفنان الكبير، وفق المعلومات الواردة من مصادر مقربة، تعرّض نزيه أبو الريش لسكتة قلبية حادة دامت نحو 40 دقيقة، وتم إنعاش قلبه، لكن الفحوصات الطبية «الرنين المغناطيسي» أظهرت تأثيرات كبيرة على الأعصاب والدماغ، ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة كالشلل النصفي أو فقدان القدرة على النطق، والأطباء وصفوا حالته بأنها «تحتاج إلى معجزة».

وقد نفت المصادر المقربة خبر الوفاة الذي انتشر في بعض وسائل التواصل، مؤكدة أن الفنان لا يزال على قيد الحياة لكنه في حالة حرجة جداً، زوجته وعائلته على تواصل دائم مع الوسط الفني، ويطلبون من الجميع الدعاء بالشفاء.

نزيه قد لا يتكرر

أحد الأصدقاء القدامى، الذي اختلف مع نزيه منذ عام 2014 لكنه ظل يكن له كل التقدير، كتب على حسابه في فيس بوك: «نزيه المجدد.. عندما يعزف نزيه ينصت له جميع عازفي العود في العالم، نزيه اليوم بين يدي الرحمن في حالة صحية سيئة جداً، ادعوا له بالرحمة والشفاء، لأن نزيه قد لا يتكرر، وأنا أعرف ما أقول تماماً».

وفي صفحات الفنانين والمحبين، تتصدر الدعوات المشهد: «اللهم ياصاحب المعجزات الطف بعبدك وعافه يا جبار يا كريم»، و«ربنا يقومك بالسلامة ويرجعك لأحبابك». و«أمنياتي لك بالشفاء والعودة سالماً فأنت ملهمي وملهم كثير من العازفين».

العود ينتظر أنامله

وفي الوقت الذي يترقب فيه الوسط الفني السوري والعربي تطورات حالة نزيه أبو الريش، يبقى الأمل حاضراً بقدرة الله على الشفاء، فالرجل الذي علم العود أن يتحدث بكل لغات العالم، يستحق أن تعود الحياة إلى صدره ليحتضن آلته من جديد، ويمتعنا بتلك النغمات التي لا يشبهها أحد، فاللهم اشفه كما تشاء وأعده إلى محبيه وفنه سالماً معافىً.

Leave a Comment
آخر الأخبار