الحرية – أمين سليم الدريوسي:
في تطور متسارع يُمثل منعطفاً في المشهد الأمني شرق الفرات، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) سنتكوم، أمس الأربعاء عن بدء عملية لنقل ما يصل إلى 7000 معتقل من عناصر تنظيم “داعش” من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى سجون خاضعة للسيطرة العراقية.
هذه العملية، التي وصفتها واشنطن بأنها “بالغة الأهمية” لمنع الهروب وتقليل التهديد الإرهابي، لم تأت من فراغ، بل هي محصلة تفاعلات إقليمية معقدة وضغوط متصاعدة على الأرض.
إشكالية احتجاز آلاف العناصر في مخيمات هشة
لطالما شكل وجود آلاف المعتقلين من مقاتلي “داعش” وأسرهم في مخيمات مثل الهول وسجون غير رسمية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” قنبلة موقوتة. وقد أشارت تقارير حقوقية ودولية متكررة، بما في ذلك تقارير للأمم المتحدة، إلى الظروف الإنسانية المتردية وسهولة اختراق الأمن في تلك المرافق، ما يسمح باستمرار نشاط خلايا التنظيم النائمة واستقطاب أفراد جدد، وقد أصبحت هذه المخيمات بؤراً للإرهاب، تهدد استقرار المنطقة بأسرها.
العملية الأمريكية.. الدوافع والشركاء.. قراءة في الخطوة
وفقاً لما نقلته تقارير إعلامية عن مسؤولين في القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، فإن عملية نقل المعتقلين تجري “بالتنسيق الوثيق مع الحكومة العراقية”، وبغض النظر عن دقة الاقتباس المحدد، فإن هذه الخطوة تتيح قراءة عدة دوافع محتملة لواشنطن:
أولاً، تقليل العبء الأمني، أي التخلص من مسؤولية حراسة هذا العدد الهائل من السجناء الخطرين في بيئة غير مستقرة.

ثانياً، تعزيز الشريك العراقي، وذلك بتقوية دور بغداد، الحليف الرئيسي لواشنطن في المنطقة، كمركز رئيسي لمحاكمة ومحاصرة عناصر “داعش”.
ثالثاً، وأخيراً، إعادة التركيز الإستراتيجي، وقد تشير هذه الخطوة إلى بداية إعادة ترتيب للأولويات الأمريكية في المنطقة، أو محاولة لتصفير أحد أهم ملفات التوتر مع دمشق وحلفائها.
رد الفعل السوري.. التركيز على استعادة السيادة بدلاً من الترحيب بالعملية
يجب تفسير أي تصريحات سورية فيما يخص عملية نقل السجناء في إطار الموقف الرسمي الثابت لدمشق، الذي لا يرحب بالعملية الأمريكية بحد ذاتها، بل يركز على استعادة السيطرة الكاملة على ملف أمني حيوي.
وقد عبّرت وزارة الدفاع السورية عن هذا الموقف بوضوح من خلال إعلانها جهوزية قواتها لاستلام مخيم الهول، ونقدها قوات “قسد” لاستخدام المعتقلين “كورقة مساومة سياسية”.
وهذا الموقف يُفهم في سياقين متلازمين:
أولاً، السياق السيادي- الأمني، إذ تسعى دمشق إلى تجريد “قسد” من آخر أوراق القوة الأمنية والسياسية التي تملكها، وهي السيطرة على آلاف المعتقلين الخطرين.
نقل هؤلاء المعتقلين، بغض النظر عن الجهة المنفذة، يُضعف بشكل كبير مكانة “قسد” كطرف أمني فاعل، ويمهد الطريق أمام استعادة الدولة لسيطرتها المباشرة على مناطق شرق الفرات، وهو الهدف الاستراتيجي الأساسي.
السياق الثاني هو الضغط السياسي، حيث يأتي هذا الموقف متسقاً مع الإنذار الذي منحته الحكومة السورية لـ “قسد” بوضع خطة للاندماج. فهو جزء من استراتيجية ضغط متعددة الجوانب تهدف إلى إعادة تلك المناطق إلى الحكم المركزي، مستفيدة من أي تطور يقلص من نفوذ وقدرات الإدارة الذاتية.
تحول ميداني حاسم.. دخول الجيش السوري إلى مخيم الهول
لم تكن عملية النقل الأمريكية هي التطور الوحيد، فقد سبقها دخول قوات الجيش العربي السوري، وبآلياته العسكرية، إلى مخيم الهول في وقت سابق، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع السورية. ويبدو أن هذا الانتشار جاء بعد مفاوضات، كما ذكرت مصادر لوكالة “رويترز”، حول “انتقال سلس للسيطرة” من قوات “قسد” لتفادي أي فراغ أمني.
ويُعد هذا الانتشار انتصاراً رمزياً وعملياً لدمشق، حيث استعادت السيطرة المباشرة على أحد أكثر البؤر خطورة في البلاد، وهو ما يقطع الطريق على أي ادعاءات مستقبلية لأطراف أخرى بقدرتها على إدارة هذا الملف الأمني الشائك بمفردها.
استراتيجية متشابكة
تتشابك الأبعاد الإستراتيجية لهذا التطور على مستويات متعددة. فمن ناحية، تعيد هذه التحولات ترجيح كفة القوة لصالح دمشق وحلفائها، حيث تُفقد “قسد” أهم أوراق الضغط العسكرية بانتقال ملف السجناء الخطير، بينما تتعرض لضغوط سياسية متصاعدة قد تقلص نفوذها الذاتي.
وفي الوقت ذاته، يُسلط الضوء مجدداً على الدور المحوري الذي يلعبه العراق كلاعب أساسي في حفظ الأمن الإقليمي، رغم التحديات الجسيمة التي تعصف بداخله.
أما على الصعيد الأمريكي، فتُقرأ هذه الخطوة كتكتيك مرن يعكس نزعة عملية تفضّل التركيز على مواجهة التهديدات الأمنية المباشرة كتنظيم “داعش”، حتى وإن أدى ذلك إلى تعزيز خصوم تقليديين بشكل غير مباشر.
ويبقى مستقبل “قسد” معلقاً بين خيارين لا ثالث لهما: إما السير في مسار التفاوض للتوصل إلى صيغة اندماج تحفظ شيئاً من المكتسبات المحلية تحت مظلة الحكومة السورية، أو خوض مواجهة عسكرية غير متكافئة مع الجيش، وهو سيناريو تبدو نتائجه محسومة مسبقاً.
خلاصة القول، إن عملية نقل سجناء “داعش” ليست مجرد نقل جغرافي لمعتقلين، فهي حلقة في سلسلة من التحركات الإستراتيجية التي تعيد رسم خريطة النفوذ في شرق سوريا، بينما تُحقق واشنطن هدفاً أمنياً مرحلياً، وتبحث بغداد عن استقرار حدودي، تظهر دمشق كأكبر رابح على المدى القريب، مستعادةً زمام المبادرة الأمنية والسياسية في منطقة حيوية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل سيكون هذا التطور مقدمة لتسوية سياسية أوسع، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصراع؟
الإجابة قد تكمن في الأيام القليلة المقبلة، خلال مهلة أربعة أيام التي منحتها دمشق لقسد.