الحرية –أمين سليم الدريوسي:
في لعبة الأمم الكبرى، لا تبقى الأسواق مجرد متفرج، حيث تختلط دماء الجغرافيا بأوراق المال، فبعد ثمانٍ وأربعين ساعة من اشتعال السماء فوق إيران، اهتزت الأرض تحت أقدام البورصات العالمية، لتؤكد المقولة الأزلية: «حين تئن الجيوسياسة، يصرخ الاقتصاد»، ثمانية إلى عشرة ملايين برميل هو الثمن المبدئي الذي دفعته الأسواق العالمية في الأيام الأربعة الماضية، بعد أن تحول مضيق هرمز من شريان حياة للطاقة إلى بقعة عمياء في قلب المعادلة الجيواقتصادية.
لم تكن الأسواق بحاجة إلى ترجمة لما يحدث في سماء طهران وأصفهان، فالأرقام تحدثت بلغة مفهومة عالمياً، خام برنت قفز بنسبة 7.56% ليصل إلى 78.37 دولاراً للبرميل صباح الإثنين، بعد أن افتتح بارتفاع صاروخي بلغ 13% في اللحظات الأولى للتداولات الآسيوية. ولم يكن خام غرب تكساس الأمريكي بمعزل عن الموجة، مسجلاً 71.82 دولاراً بارتفاع 7.21%، فما حدث خلال الـ 48 ساعة فقط هو أن السوق أعادت تقييم كل شيء: الجغرافيا، السياسة، وحتى احتمالات الغد.
مضيق هرمز.. من شريان نفط عالمي إلى بقعة عمياء في قلب الحرب
نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط يمر عبر مضيق لا يتسع للحروب، ومع اشتعال المواجهة، توقف المضيق عن العمل، وتحول إلى جبهة جديدة في صراع أوسع، المنظمة البحرية الدولية لم تتردد في دعوة الشركات إلى تجنب المنطقة، بينما أصبحت أقساط التأمين باهظة لدرجة جعلت كبرى خطوط الملاحة تعلق عبورها، هنا، يلتقي الخطر بالتكلفة، فحتى لو لم يتوقف الإنتاج كلياً، فإن تغيير المسارات وإعادة تقييم المخاطر يبقيان تكاليف النفط والشحن عالقة في منطقة الخطر.
وفي محاولة لامتصاص الصدمة، أعلنت السعودية وروسيا وستة أعضاء آخرين في تحالف منظمة «أوبك+» زيادة حصص الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً لشهر نيسان، لكن المحللين يرون أن هذا الإجراء، رغم أهميته، لا يعالج جوهر المشكلة، فبحسب المحلل خورخي ليون، المحلل في «Rystad Energy» وهي شركة نرويجية مستقلة رائدة في أبحاث الطاقة والأعمال: يمكن بالتأكيد استخدام بنى تحتية بديلة في الشرق الأوسط لتجاوز التدفقات عبر المضيق، لكن التأثير الصافي يبقى خسارة فعلية تتراوح بين 8 إلى 10 ملايين برميل من إمدادات النفط الخام، الأمر إذاً لا يتعلق فقط بكمية النفط المتاحة، بل بمنظومة كاملة من التوقعات والمخاطر التي يعاد تشكيلها على نار حامية.
في قراءة أكثر عمقاً للمشهد، تقدم ميشيل بروهارد، المحللة في «Kpler» -منصة رائدة عالمياً توفر بيانات وتحليلات دقيقة في الوقت الفعلي لأسواق السلع الأساسية، الطاقة، والشحن البحري- رؤية استراتيجية تقول: «تكمن نقطة ضعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ارتفاع أسعار النفط»، معتبرة أن إيران قد تسعى إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة كوسيلة للضغط على واشنطن قبل انتخابات التجديد النصفي في نهاية العام، وهنا، تتحول أداة الحرب الاقتصادية إلى سلاح ذكي في معادلة الصراع.
الذهب يتألق والدولار يتماسك.. والعالم يترقب كلفة الرصاص القادم
وحيث أنه في الأوقات العصيبة، يعود العالم إلى أعظم أمانيه وما يكتنزه، الذهب، الملاذ الآمن التقليدي في مواجهة عدم الاستقرار الجيوسياسي إلا ان سعر الأونصة قفز بنسبة 2% في اللحظات الأولى من الأزمة، قبل أن يستقر عند 5378 دولاراً بزيادة قدرها 1.88%. وتعلق كاثلين بروكس من شركة الوساطة المالية «XTB» «بينما كانت الولايات المتحدة تنشر قواتها وطائراتها وسفنها الحربية في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، كانت المعادن النفيسة قد تعافت بالفعل»، لتعود وتؤكد: أن هذه المعادن ستستمر في الارتفاع كملاذ للقيمة، قد يكون الذهب هو الأكثر جذباً بشكل خاص، خاصة إذا ولّد النزاع تضخماً نتيجة ارتفاع أسعار النفط، كذلك ارتفع الدولار، العملة الدولية لسوق النفط، بنسبة 0.54% مقابل الين الياباني.
البورصات العالمية ترسم لوحات حمراء.. وملايين براميل النفط تختفي في يومين
من طوكيو إلى باريس، مروراً بهونغ كونغ وفرانكفورت، اكتست شاشات التداول باللون الأحمر، نيكاي الياباني تراجع 1.34%، هانغ سنغ في هونغ كونغ خسر 1.92%، العقود الآجلة في باريس انخفضت 1.73%، فرانكفورت تراجعت 2.12%، وميلانو خسرت 2.10%. حتى الخليج لم يسلم، حيث أغلقت بورصتا دبي وأبو ظبي أبوابهما استثنائياً يومي الإثنين والثلاثاء، في مشهد لم تشهده المنطقة منذ سنوات.
يُشير محللون في شركة الوساطة المالية «مونكس» إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد يُؤجج ضغوطاً تضخمية حادة ويُلقي بظلاله على التوقعات الاقتصادية في ظل «تفاقم المخاطر الجيوسياسية»، وتوضح كاثلين بروكس قائلةً: «قد يتأثر رد فعل سوق الأسهم بحقيقة أن هذه أزمة كبيرة لن تُحل في غضون أيام قليلة»، وفي الإمارات العربية المتحدة، التي تعرضت لهجمات إيرانية منذ يوم السبت رداً على الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي، أعلنت الهيئة التنظيمية المالية يوم الأحد إغلاقاً استثنائياً لبورصتي دبي وأبوظبي يومي الاثنين والثلاثاء.
في تفاصيل صغيرة لكنها عميقة الدلالة، بدأت بعض الشركات تشعر بالفعل بتداعيات ذلك، فقد انخفض سعر سهم «نينتندو» بنسبة 5% في بورصة طوكيو، والسبب هو تغيير مسارات الشحن البحري بسبب الضربات على إيران، ما يهدد برفع التكاليف الخدمات اللوجستية للوحدات التحكم «Switch 2» الموجهة إلى أوروبا، هذه هي العولمة: «رصاصة تطلق في سماء إيران، ترتد إلى جيب لاعب فيديو في باريس أو برلين».
لم تكن الأرض وحدها من اهتزت، فالسماء فوق الشرق الأوسط أصبحت شبه خالية. شركات الطيران تدفع ثمناً باهظاً لشلل المسارات الجوية وتحول المنطقة إلى ساحة عمليات عسكرية، حيث انخفضت أسهم الخطوط الجوية اليابانية «Japan Airlines» بنسبة 5.88%، وتراجعت أسهم «ANA» بنسبة 5.34%، كما هوت أسهم «Cathay Pacific» في هونغ كونغ بنسبة 2.77%.
ما يحدث اليوم ليس مجرد نزاع عسكري جديد في منطقة لا تخلو من النزاعات، بل هو إعادة تشكيل كاملة للمعادلة الاقتصادية الإقليمية، حيث تتحول الممرات المائية إلى خطوط نار، وحيث تصبح أسعار النفط انعكاساً لحجم الرصاص المنطلق.
ثمانية إلى عشرة ملايين برميل مفقودة، بورصات منهكة، ذهب مرتفع، ودولار متماسك، كلها مؤشرات على أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التوتر، حيث تصبح الأسواق هي ساحة المعركة الأكثر وضوحاً. ويبقى السؤال الأهم: كم برميلاً إضافياً سيكلفنا هذا الصراع قبل أن تخفت ناره؟