هل ثمة أثر إقليمي في التصريحات الأميركية الأخيرة حول سوريا؟

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية – مها سلطان:

قبل الإجابة.. لنوسع دائرة التفاؤل حول هذه التصريحات والتي تم اعتبارها على نطاق واسع إيجابية وخطوة واسعة باتجاه انفتاح أميركي أكبر قد يقود في المرحلة المقبلة إلى تطور ملموس على صعيد رفع العقوبات المفروضة على سوريا.
صحيح أن هذه التصريحات جاءت مشروطة، إلا أن ذلك لا يُقلل من مستوى التفاؤل الذي أحدثته، فعندما تعلن الخارجية الأميركية أن العقوبات «محل مراجعة ونقاش يومي» بعد وصف الحكومة السورية – التي تم إعلانها السبت الماضي – أنها خطوة إيجابية.. وعندما يُعاد تكليف جويل رايبورن مسؤولاً عن هذا الملف، فهذا يعني أن ثمة توجهاً أميركياً جديداً دبلوماسياً/سياسياً، قد يبدأ بتخفيف للعقوبات، يتوسع بعدها نحو رفع مستوى العلاقات والتعاون. هذا توجه بات ممكناً إذا ما تتبعنا مسار تطور التصريحات الأميركية منذ يوم التحرير في 8 كانون الأول الماضي وحتى الآن.

سوريا اجتازت بنجاح اختباراً داخلياً مفصلياً بإنجاز حكومة لافتة في تشكيلتها (وتكنوقراطها) حازت تأييد أغلبية السوريين وبما قاد ربما إلى تغيير مهم في الموقف الأميركي

 

تيسير أميركي
وإذا ما أخذنا بالاعتبار- وفق فريق واسع من المراقبين- أن الشروط الأميركية ليست بالتعجيزية، وهي في بعضها ضمن توجه السلطات السورية الجديدة، خصوصاً ما يتعلق بإيران (وتدمير الكيماوي) وفي بعضها الآخر هي ضمن المقدور عليه، يمكننا ملاحظة أن الإدارة الأميركية ربما تعمدت طرح الشروط بهذا المستوى من إمكانية التنفيذ، في سبيل إيصال رسائل محددة للسلطات السورية بأن رفع أو تخفيف العقوبات بات أمراً متاحاً.
وإذا ما عدنا ليوم تشكيل الحكومة، أي السبت الماضي، والتحذير الذي أطلقته الإدارة الأميركية لرعاياها مما سمته «مخاطر إرهابية محتملة» في محاولة تم تفسيرها على أنها سعي للتشويش والضغط على السلطات السورية.. إذا عُدنا لذلك اليوم فإن سوريا اجتازت اختباراً سياسياً داخلياً مفصلياً بإنجاز حكومة لافتة في تشكيلتها (وتكنوقراطها) بحيث حازت تأييد أغلبية السوريين ووسعت التفاؤل بأن بلادهم على الطريق الصحيح، خصوصاً وأنهم يلمسون يومياً تحسن الحال والأحوال.. كل ذلك ربما قاد إلى تغيير مهم في الموقف الأميركي، تجلّى في التصريحات الأخيرة.

صحيح أن العقوبات تنعكس بصورة كارثية على سوريا لكن السلطات تمضي قدماً ولا تجمد مسارات العمل

 

– رسالة حكومية
يُضاف إلى ذلك، أن السلطات السورية الجديدة تمضي قدماً في إدارة شؤون البلاد، داخلياً وخارجياً، بمعزل عن ملف العقوبات. صحيح أنه ملف رئيسي ينعكس بصورة كارثية على مسيرة التنمية والإعمار، إلا أن السلطات السورية لا تجمّد كامل المسيرة عند هذا الملف، ولا توقف مسارات العمل انتظاراً لرفع العقوبات، بل هي تسعى بصورة مستمرة انطلاقاً من المتاح لتعزيز المكتسبات، واستطاعت في فترة قياسية أن تحقق ما يمكن التعويل عليه داخلياً في العلاقات خارجياً، واستطاعت توجيه الرسائل المطلوبة لهذا الخارج بأن الخيارات البديلة دائماً قائمة ومتاحة، وأن مسار العمل السياسي الداخلي قائم على الأولويات والضرورات السورية بالدرجة الأولى. وحسب المراقبين تجلى هذا في تشكيلة الحكومة، إذ بدا أن السلطات السورية فعلت ما وجدته مناسباً لخصوصية المرحلة السورية الحالية، ولم تجد نفسها مضطرة للخضوع أو لمسايرة التدخلات الخارجية، خصوصاً تلك التي كان من شأنها أن تقود إلى حكومة محاصصة بمعايير الفئات والمكونات، وليس حكومة عاملة بمعايير الوطن والوطنية.
هذه التشكيلة الحكومية كانت رسالة واضحة جداً، وصلت إلى الجميع، فبادروا تباعاً إلى الترحيب وإبداء التعاون، ليرتفع منسوب التفاؤل.

لا شك أن الإقليم حاضر لدى الإدارة الأميركية عندما يتعلق الأمر بسوريا خصوصاً وأن دائرة الحرائق في المنطقة قد توسع نطاقها إذا ما تحقق سيناريو ضرب إيران

 

– الإقليم حاضر
الآن.. لنعد إلى السؤال آنف الذكر بداية. هل ثمة أثر إقليمي في التصريحات الأميركية الأخيرة حول سوريا؟
لا شك أن الإقليم حاضر لدى الإدارة الأميركية عندما يتعلق الأمر بسوريا (وأي دولة أخرى في المنطقة). هذا أمر بدهي، خصوصاً وأن دائرة الحرائق في المنطقة قد توسع نطاقها (إذا ما تحقق سيناريو ضرب إيران). لكن السؤال الأكثر تحديداً هنا هو، إلى أي حد يؤثر الإقليم في تقديم أو تأخير الانفتاح الأميركي على سوريا، لا سيما في مسألة العقوبات؟

وللتوضيح، عندما نتحدث عن الأثر الإقليمي، فهذا يعني أننا نتحدث عن المصالح الأميركية في المنطقة التي تؤثر على مسألة الانفتاح والعقوبات، دفعاً أو تأخراً، أو ما بين بين.

في الأشهر الأربعة الماضية كان هناك حديث واسع عن تيارين داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، الأول يتبنى موقفاً متشدداً بزعم «تركيز السلطات» الذي يستدعي استمرار مراقبة الوضع في سوريا. وأبرز وجوه هذا الفريق وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف الذي يربط الانفتاح الأميركي بالتطبيع مع إسرائيل (وهذا ما يضعه المراقبون في إطار الضغوط والابتزاز تجاه القيادة السورية الجديدة ويؤكدون أنه من ضمن الشروط الأميركية غير المُعلنة).
الفريق الثاني يدفع باتجاه تخفيف العقوبات، خصوصاً القطاعية، وتقوده شخصيات بارزة في الكونغرس الأميركي، وتدعمه وسائل إعلامية مؤثرة منها صحيفة «واشنطن بوست» التي دعت إدارة ترامب لرفع كامل العقوبات عن سورية دون تأخير (ومن ضمنه الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية/قسد الذي تم بدفع أميركي شبه علني). وبرأي هذا الفريق فإن رفع العقوبات، ودعم سوريا واحدة موحدة بعيداً عن التقسيم والفدرلة، سيقود إلى ترحيب شعبي سوري بالدور الأميركي، ويمنح أميركا- تالياً- دوراً رئيسياً في سوريا وتوجهاتها المستقبلية.. أي السعي إلى كسب سوريا بدلاً من محاصرتها بالضغوط، وإلى التعاون في سبيل مكافحة التهديدات والمخاطر بدلاً من الاكتفاء بالتحذيرات التي تضاعف القلق والتوتر.
ويضيف هذا الفريق أن كسب سوريا الجديدة يجعلها تفترق كلياً عن سياسات النظام السابق، أما استمرار الضغط وتصعيده فسيدفعها باتجاه السياسات نفسها قاعدة اجبارية التوجه نحو الخيارات البديلة، خصوصاً باتجاه حلفاء النظام السابق، وعلى رأسهم إيران، فإذا كان الهدف منع عودة إيران إلى سوريا فلا بد من تعامل أميركي مختلف.

– تعامل مختلف
في الأيام القليلة الماضية يبدو أن كلا الفريقين تقاربا باتجاه نقاط وسط (ما بين بين) مع أرجحية مسار (تعامل أميركي مختلف) وربما البداية كانت من التصريحات الإيجابية تجاه الحكومة السورية الجديدة، والتي توالت بعدها التصريحات الدولية المماثلة.

ما علاقة التفاهمات الأميركية الروسية بمسألة العقوبات ولماذا علينا أن نعيد قراءة رسالة بوتين للرئيس الشرع في 20 آذار الماضي؟

 

لكن (التعامل الأميركي المختلف) إذا ما أخذنا بمظاهره المُعلنة، هو أوسع وأشمل من ذلك إذا ما وسعنا دائرة الرؤية باتجاه «التفاهمات الأميركية – الروسية» الناتجة عن لقاءات الوفود، خصوصاً في السعودية، وعن الاتصالات الهاتفية المطولة بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين.

عملياً، لا يبدو أن هناك عقبات استعصت فيما يخص التفاهمات الروسية الأميركية. روسيا هدفها الأول الحفاظ على قواعدها، وهي تدرك أن مسار الأحداث في سوريا والمنطقة ليس في مصلحتها، لذلك فهي لن تعارض ولن تعرقل المصالح الأميركية، بل ستتعاون في سبيل ربطها مع مصالحها (بشكل من الأشكال) مستفيدة إلى أقصى حد من انفتاح إدارة ترامب على روسيا والسعي لاستقطابها بعيداً عن الصين (وإيران). وهي تدرك أيضاً أنه في سوريا تحديداً فإن الأولوية هي للرؤية الأميركية، ويبدو أن إدارة ترامب أطلعت روسيا (في اللقاءات والاتصالات) على هذه الرؤية، وأن روسيا وجدت أن عليها بدورها التوجه نحو تعامل مختلف مع القيادة السورية، والرئيس أحمد الشرع، ومن هنا كانت الرسالة التي وجهها بوتين للرئيس الشرع في 20 آذار الماضي، والتي عرض فيها ما سماه توسيع «التعاون العملي» مؤكداً استعداده لتوسيع الانفتاح والتعاون. وكانت هذه الرسالة وصفت حينها بالمهمة واللافتة في توقيتها ومحتواها.

– تفاؤل وترقب
ما سبق وغيره كثير مما يستدعي المراقبة والترقب، يشير إلى أن سوريا مقبلة على «مرحلة أميركية/ دولية» جديدة في انفتاحها وتعاونها، وبما يعزز الآمال أن تكون فاتحتها رفع أو تخفيف العقوبات.. ويمكن وضع التصريحات الأميركية الأخيرة في هذا الإطار.

Leave a Comment
آخر الأخبار