الحرية – نهلة أبو تك:
يقف الاقتصاد اليوم عند مفترق طرق حساس، فلم يعد الحديث يقتصر على إعادة تشغيل المعامل أو ترميم المباني المدمرة، بل أصبح السؤال الأكبر: كيف يمكن هندسة الاقتصاد بطريقة تحول الفرص الكامنة إلى نمو مستدام؟ وكيف يمكن خلق أدوات تمويلية وتشريعية فعّالة لدعم المستثمرين المحليين والخارجيين؟
الواقع الاقتصادي في سوريا يكشف عن أصول مهمة قابلة للاستثمار بسرعة نسبية. القطاع الصناعي يحتوي على معامل جاهزة للعمل، إضافة إلى وجود طلب محلي وإقليمي متزايد على منتجاته.
وفي القطاع السياحي، تبرز المناطق الساحلية والمواقع التاريخية كمصادر يمكن تحويلها إلى مشاريع إنتاجية مربحة.
كما أن الخدمات الرقمية والبنية التحتية الحديثة تمثل قاعدة أساسية لتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد متكامل وحديث.
التمويل المؤسسي العقبة الكبرى
نقص السيولة يحد من قدرة المستثمر الفردي على تنفيذ مشاريع كبيرة، ما يجعل التمويل المؤسسي ضرورة استراتيجية لتقليل المخاطر وتحقيق إدارة فعّالة للموارد.
في هذا السياق، يبرز الصندوق الاستثماري كأداة محتملة لدعم الاستثمار، لكنه ليس الحل السحري. فهو قادر على توجيه رأس المال نحو مشاريع استراتيجية كبيرة، لكنه لا يعوض عن غياب بيئة قانونية وإدارية مستقرة، وهي الركيزة الأساسية لجذب المستثمرين.
الخبير الاقتصادي د. خالد الخالدي يؤكد:
“أن الفرص موجودة، لكن المستثمر يحتاج إلى بيئة مؤسسية تقلل المخاطر، والصندوق الاستثماري أداة ممكنة، لكنه ليس الحل الشامل.”
الصندوق الاستثماري بين الفرص والمخاطر
يمكن للصندوق الاستثماري أن يكون أداة فعّالة إذا أُحكمت شروطه. فهو قادر على تمويل المشاريع الكبيرة التي تتجاوز قدرة المستثمر الفردي، وتوزيع المخاطر بين القطاعين العام والخاص، وجذب الاستثمار الخارجي ضمن إطار قانوني واضح.
لكن نجاح الصندوق يعتمد على حوكمة صارمة وإطار قانوني متين.
يوضح المستشار القانوني سطام ماجد العريف: “أي صندوق استثماري يحتاج إلى قانون واضح يحدد مصادر الأموال وآليات الاستثمار، مع تحديث مستمر للأنظمة الضابطة لعمله، وحوكمة تمنع تضارب المصالح وتحمي المستثمرين.”
ويضيف العريف:”فعالية أدوات التمويل المؤسسي تعتمد بشكل أساسي على إطار تشريعي مستقر، وتحديث الأنظمة الضابطة للأسواق المالية والصناديق الاستثمارية، بما يعزز الثقة لدى المستثمرين المحليين والخارجيين.”
التمويل المؤسسي كضرورة استراتيجية
المرحلة الحالية تكشف عن ضعف التمويل الفردي وارتفاع المخاطر، خصوصاً في المشاريع الكبرى. هذا الواقع يفرض على الاقتصاد السوري الاعتماد على أدوات التمويل المؤسسي، سواء عبر الصندوق الاستثماري، أو صناديق استثمارية متخصصة، أو شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص.
د. الخالدي يؤكد ” أن المفتاح هو وجود أدوات تقلل المخاطر على المستثمر، سواء عبر صندوق استثماري أو أدوات أخرى. الأمر يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة، لا حلول جزئية.”
التحديات القانونية والإدارية
حتى مع وجود أدوات تمويلية قوية، تبقى البيئة التشريعية والبيروقراطية من أكبر العقبات أمام الاستثمار. قوانين الاستثمار ليست مستقرة في كل القطاعات، والإجراءات الإدارية معقدة وتستغرق وقتًا طويلاً، بينما حوكمة الشركات والأسواق المالية تحتاج لتطوير مستمر لضمان استدامة النمو.
كما يحذر العريف ” أن أي أداة تمويلية تواجه بيئة ضبابية ستفقد فعاليتها، والصندوق الاستثماري بلا إطار قانوني واضح سيبقى مجرد فكرة على الورق.”
المخاطر الواقعية التي تواجه المستثمر
رغم الفوائد المتوقعة للصندوق الاستثماري، هناك تحديات حقيقية يجب مواجهتها ضعف الإدارة التنفيذية إذا لم تُختَر كوادر ذات خبرة وكفاءة، توجيه الاستثمارات نحو مشاريع قصيرة الأجل وغير منتجة، تداخل الأدوار بين القطاعين العام والخاص، تقلبات الاقتصاد الكلي، ونقص السيولة.
ومن وجهة نظر د.الخالدي “الصندوق الاستثماري قد يسهم في التمويل، لكنه لا يعوّض عن غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة والاستقرار التشريعي.”
من التعافي إلى الهندسة الاقتصادية
المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من اقتصاد ردود الفعل إلى اقتصاد التخطيط الاستراتيجي.
الهندسة الاقتصادية لا تعني مجرد ضخ المال، بل إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد، تصميم مؤسسات قوية ومستقلة، تطوير أدوات تمويلية متنوعة، ووضع حوكمة واضحة للشركات والأسواق، بالإضافة إلى شراكات استراتيجية تحول رأس المال إلى استثمار منتج ومستدام.
كما يؤكد د. الخالدي، الهدف ليس مجرد ترميم ما تهدم، بل إعادة تصميم الاقتصاد على أسس مؤسسية متينة.
الصندوق الاستثماري جزء من هذه العملية، لكنه مجرد أداة ضمن منظومة أكبر تشمل: تحديث القوانين والأنظمة الضابطة للأسواق المالية، وتطوير بيئة الأعمال وإنشاء أدوات تمويل متعددة إضافة إلى ضمان الشفافية والحوكمة.
فالهندسة الاقتصادية تعني رؤية بعيدة المدى، مؤسسات مستقلة، وشراكات استراتيجية قادرة على تحويل الفرص إلى نمو حقيقي ومستدام.
الرهان اليوم ليس على فكرة واحدة، بل على القدرة على تحويلها إلى أدوات عملية وفعالة.
السؤال الحقيقي يبقى هل يمكن لسوريا فعلاً هندسة اقتصادها بعد التحرير؟
الإجابة ستتضح من خلال القرارات الواقعية والتطبيق العملي.