الحرية – لوريس عمران:
التساؤلات الشعبية السورية حول الموقف الأمريكي من «قسد» تستوجب قراءة تاريخية وموضوعية عميقة، وتحالف واشنطن مع القوى الكردية كان «خياراً استراتيجياً» أملته ضرورة مكافحة الإرهاب في مرحلة حرجة، لكن هذا التحالف لم يكن شيكاً على بياض، بل ارتبط بمهمة محددة انتهت بالقضاء على النسخة الأخطر من «داعش».
اتفاق 10 آذار.. محاولة أمريكية لنقل «قسد» من الميليشيا إلى الدولة
وفي هذا السياق، أكد المستشار السياسي في واشنطن المحامي إسماعيل باقر لصحيفة «الحرية» أن التحول الجوهري في السياسة الأمريكية تجسد في دفع «قسد» نحو التوقيع على اتفاق 10 آذار مع الحكومة السورية.
ويحلل باقر خلفيات هذا الاتفاق، مشيراً إلى أن «قسد» دخلت المفاوضات وهي تتوهم امتلاك أوراق ضغط أبدية، مستغلة سيطرتها على ثلث الأراضي السورية وموارد النفط والمياه، وظنت أن العقوبات الدولية على دمشق ستبقى وستجعل من الحكومة طرفاً ضعيفاً يرضخ لمطالبها.
سقوط الرهانات وتآكل الامتيازات
ووفقاً لتحليل باقر، فإن المعادلة انقلبت تماماً عندما بدأت واشنطن مساراً جديداً تمثل في رفع العقوبات وقيادة التطبيع الدولي مع سوريا، هذا التحول جرد «قسد» من قيمتها التفاوضية، مضيفاً أن الامتيازات التي منحتها نفوذها بدأت تتآكل، وأن حالة التباطؤ والمماطلة التي تنتهجها «قسد» اليوم في تنفيذ بنود الاتفاق تعكس إدراكها بأن المسار السياسي الحالي يهدف بالأساس إلى توحيد الأرض والشعب تحت مظلة الجمهورية العربية السورية، وهو ما لا يخدم أجندتها الخاصة.
أحداث حلب.. السقوط الأخلاقي والسياسي
ويصف المستشار باقر ما جرى في حلب بأنه «نقطة تحول» تجعل من الدفاع عن بقاء الاتفاق أمراً صعباً من الناحيتين الأخلاقية والسياسية، مشيراً إلى أن استهداف المدنيين بنيران القناصة، وقطع المياه عن المدينة، واستخدام الطائرات المسيرة، هي أفعال قوى تأبى الاندماج الصادق في الدولة.
ويذهب باقر إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن «قسد» تحولت من شريك في مكافحة الإرهاب إلى أداة ضغط سياسية بيد قوى إقليمية، تحاول من خلالها تقويض مفاوضات دمشق الدولية، كما حدث في محاولة التشويش على «مسار باريس».
الرسالة الأمريكية الختامية
يختم المستشار باقر رؤيته بالتأكيد على أن الهزيمة الميدانية لـ«قسد» في حلب تمت بضوء أخضر أمريكي وإقليمي، كرسالة حازمة بأن استخدام العنف لعرقلة المسارات السياسية لم يعد مقبولاً.
ويرى باقر أن واشنطن اليوم، وبشهادة تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تلعب دور الوسيط الذي يسعى للسلام، لكن الصبر الإقليمي له حدود، والكرة الآن في ملعب «قسد» لإثبات نيتها الصادقة في الانخراط ضمن الدولة، فالدولة السورية هي الخيار الوحيد المستدام، وما دون ذلك ليس سوى أوهام لن تصمد أمام رياح التغيير.