الحرية – د. يسرى المصري:
تُوصف الخطوة بأنها “استثنائية” في تاريخ المالية العامة السورية، إذ لم تعد الموازنة العامة حبيسة الأرقام الجافة والنشرات الرسمية المعقّدة، بل دخلت إلى منازل السوريين عبر “نسخة المواطن” لموازنة 2026، التي أطلقها وزير المالية محمد يسر برنية، وكأنها رسالة حب من خزينة الدولة إلى جيوب الناس.
فبعد عقود من طغيان اللغة البيروقراطية على وثائق الموازنة، يأتي هذا الإعلان كـ”ترجمة فورية” لفلسفة الإنفاق والإيرادات، في محاولة لطيّ صفحة العتمة المالية وفتح نافذة على اقتصاد أكثر شفافية.
“موازنة المواطن”.. عندما تتحدث الأرقام بالعامية المالية
خلال مؤتمر صحفي في دمشق، كشف الوزير برنية أن “نسخة المواطن” ليست مجرد كتيّب ترويجي، بل وثيقة مالية مبسّطة تلخص هوية الموازنة: أين تأتي الأموال، وأين تذهب، وكيف تؤثر على فاتورة الخبز والدواء والتعليم.
وتتضمن الوثيقة، وفق الوزير، عرضاً للتطورات المالية والاقتصادية خلال عام 2025، إلى جانب مستهدفات 2026 والمسار المتوسط الأجل، وكأنها “خريطة طريق” للمواطن الذي يريد أن يعرف: هل ستتحسن خدمات المستشفى المجاور له؟ وهل سيصل الدعم إلى جيبه قبل أن يصل إلى أي مكان آخر؟
موازنة بحجم التحديات
كشف برنية عن أرقام طموحة تعكس محاولة التوازن بين الإمكانات المحدودة والطموحات الكبيرة:
· الإيرادات المتوقعة: 958.8 مليار ليرة سورية جديدة (نحو 8.716 مليار دولار)
· النفقات: 1156.7 مليار ليرة سورية جديدة (نحو 10.516 مليار دولار)
· عجز تقديري: نحو 197.9 مليار ليرة
وهي أرقام، رغم ضخامتها، تبقى رهينة بقيمة الليرة السورية الجديدة واستقرار سعر الصرف، في ظل ظروف اقتصادية معقدة.
كيف تُقسّم الفاتورة؟
النفقات:
· 60% نفقات جارية (رواتب، تشغيل، صيانة)
· 27% نفقات استثمارية (مشاريع، بنى تحتية)
· 13% دعم وضمان اجتماعي
الإيرادات:
· 50% ضرائب ورسوم وجمارك
· 28% من النفط والغاز
· 22% إيرادات متنوعة
وهذا التوزيع يكشف عن اعتماد أقل على الإيرادات الضريبية والنفطية، وهو ما يجعل الاقتصاد السوري مرهوناً بتطور أسعار الطاقة وقدرة الدولة على توسيع إيراداتها دون إثقال كاهل المواطن.
🩺 التعليم والصحة على رأس القائمة
في جزء يشبه “البوصلة الاجتماعية” للموازنة، شدد برنية على أن إصلاح الأجور والرواتب مستمر، وأن تحسين الخدمات الأساسية، خصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم، هو “الجزء الأساسي من عملنا في الموازنة”.
ولم تكن الكلمات إنشائية، بل حملت نبرة عملية: الفقراء ومحدودو الدخل في “صلب الاهتمامات”، مع الإعلان عن استعداد لإطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر خلال المرحلة المقبلة.
تفاؤل باستقطاب الاستثمار الأجنبي
ربما كان الجزء الأكثر إثارة في تصريحات الوزير هو إعرابه عن تفاؤله بقدرة سوريا على جذب “تدفقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي” خلال 2026، مع وجود مؤشرات إيجابية تعزز هذا السيناريو.
هذا التفاؤل يرتبط بعوامل كثيرة: بيئة تشريعية جاذبة، وثقة دولية بعد سنوات من الحرب والعقوبات.
ان “نسخة المواطن” لموازنة 2026 ليست مجرد وثيقة مالية مبسطة، بل رسالة نوايا طيبة من الحكومة إلى المواطن فهي تريد أن يتحدث الاقتصاد بلغة الناس. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل سيدعم المواطن هذه النوايا لتصبح واقعاً يلمسه في جيبه ومعيشته؟