الحرية – ميسون شباني:
من على مسرح دمر، حيث ارتفعت الأغنية من الهتاف إلى النشيد، وقف وصفي المعصراني ليغني لا كفنان عاد إلى بلده فحسب، بل كذاكرة عادت إلى مكانها الطبيعي. فبالنسبة له، ما يُوصَف بالانتقال من أغاني الثورة إلى أغاني النصر ليس قطيعة مع الماضي، بل اكتمال الدائرة.
يقول المعصراني: إن كل أغنية وُلدت في زمن الثورة كانت فعل توثيق قبل أن تكون فعل غناء. «الثورة السورية مرّت بمراحل، وكل مرحلة كان لها صوتها»، والنصر، في رأيه، هو المرحلة الأخيرة التي توّجت هذه المسيرة الطويلة. لذلك لم يشعر يوماً أنه غيّر خطابه، بل واصل سرد الحكاية حتى نهايتها الطبيعية. في أغنياته، تغيّرت الكلمات كما تغيّر الواقع، من «ما بدنا حكم الأسد» إلى «أسقطنا حكم الأسد ونلنا الحرية»، ومن الحلم إلى الفعل، ومن الهتاف إلى وعد البناء.
*العودة… حين يصبح الصوت في مكانه
أربعة عشر عاماً من الغياب القسري كانت كفيلة بأن تجعل العودة إلى الغناء في سوريا لحظة استثنائية. يصف المعصراني هذا الشعور بأنه أقرب إلى الحلم المؤجل. طوال سنوات المنفى، كان يغني لمعتقلين وجرحى وثوار، ولناسٍ كانوا يسمعون أغانيه سراً خوفاً من الاعتقال. اليوم، يقف بينهم، يغني لهم علناً، ويتقاسم معهم الكلمات ذاتها التي كانت يوماً جريمة. «أن تعيش الأغنية مع جمهورك في بلدك، بعد كل هذا القهر، هو انتصار شخصي وجماعي في آن واحد».
*مشروع غنائي بوصفه ذاكرة
لم ينطلق مشروع وصفي المعصراني الغنائي من حسابات الشهرة أو الطموح الفردي، بل من شعور عميق بالواجب. واجب الأرشفة. كثيرٌ من أعماله كانت في الأصل هتافاتٍ في الشارع، أو أغانيَ ولدت في المظاهرات والحصار، فعمل على معالجتها فنياً لتبقى حيّة في الذاكرة. كان يسعى إلى ألّا تُمحى الأصوات التي حاول النظام إخمادها، من عبد الباسط الساروت إلى طارق الأسود ..وغيرهم.
ومع انتهاء الثورة وبداية مرحلة جديدة، يرى أن هذا المشروع لا يتوقف بل يتطوّر. فالفن، برأيه، مطالب اليوم بلعب دور أساسي في ترميم الوعي، ومداواة الجراح، ومرافقة مجتمع خرج من واحدة من أقسى التجارب الإنسانية. وفي الوقت نفسه، لا يخفي رغبته في تقديم فنه الخاص، خارج الإطار الثوري الصرف، في مساحات تراثية وثقافية وإنسانية أوسع.
*حمص… المدينة التي لم تغادر الأغنية
حمص ليست مكاناً في سيرة المعصراني، بل قلبها. هناك تشكّلت ذاكرته الأولى، بين جامع خالد بن الوليد والساعة القديمة والجديدة والدبلان. ومع اندلاع الثورة، تحوّلت صور القصف والتشييع واستشهاد الأصدقاء إلى نار داخلية لم يجد لها متنفساً سوى الغناء. هكذا وُلدت أغانيه لحمص، من «حمص يا دار السلام» إلى «من بابا عمر للخالدية»، بوصفها محاولة لأن يكون حاضراً مع مدينته، حتى وهو بعيد عنها جسدياً.
*الالتزام… حين يكون الفن صادقًا
يرى المعصراني أن الالتزام الثوري كان ابن لحظته. كل حدث كبير، كل حصار، كل استشهاد، كان يولّد أغنية. لم تكن صناعة الأغنية فعلاً منفصلاً عن الواقع، بل امتداداً شعورياً له. أما اليوم، فهو يعيد تعريف الالتزام بوصفه صدقاً فنياً لا قيداً إيديولوجياً. «الفنان غير مطالب بالبقاء في لون واحد»، يقول، فالأغنية العاطفية أو الإنسانية لا تنتقص من القيمة الأخلاقية أو الفنية، ما دامت نابعة من إحساس حقيقي.
*بساطة الأغنية شرط بقائها
في اختياره للأغاني، يراهن المعصراني على اللحظة والمشاعر الجمعية. يؤمن بأن الأغنية التي تعيش هي تلك القابلة للحفظ والترديد، بكلمات بسيطة غير متكلّفة، قريبة من الناس. فوضوح الرسالة، في رأيه، هو ما يجعل الأغنية تنتقل من الأذن إلى الذاكرة.
*شركاء الطريق والفلكلور
رافقه في هذه الرحلة عدد من الأسماء، أبرزهم الشاعر منار حيدر الذي كتب معظم أعماله، والشاعرة الدمشقية إيناس عوض. أما على مستوى التلحين، فمعظم الألحان من توقيعه، باستثناء الألحان التراثية التي اختارها الثوار أنفسهم، مستندين إلى الفلكلور بوصفه ذاكرة جماعية جاهزة للتداول. كان دوره هنا توثيقياً بالدرجة الأولى، يحفظ هذا الاشتباك بين التراث والراهن.
*سوريا بعد التحرير رهان على الوعي
بعد أكثر من عام على سقوط الطاغية، يبدو المعصراني متفائلاً. ما يراه من وعي اجتماعي، ومن غياب للفوضى رغم الفقر والجراح، يجعله يراهن على معدن هذا الشعب. التجربة التي عاشها مع الجمهور في مسرح دمر أكدت له أن سوريا مقبلة على مستقبل صعب، نعم، لكنه واعد.
*أغنية ليست عابرة
يخالف المعصراني الرأي القائل إن الأغنية الوطنية هي أغنية مرحلة. بالنسبة له، هي أغنية تاريخ، تعيش وتُستعاد مع الذاكرة، كما عاشت أغانٍ وطنية في تجارب شعوب أخرى. ومع كل ذكرى تحرير، ستعود هذه الأغاني لتذكّر السوريين بما كانوا، وما صاروا إليه.
*القادم… فن للحياة
في المرحلة المقبلة، يعمل وصفي المعصراني على مشاريع غنائية تتناول تحديات الحاضر، إلى جانب أعمال تراثية وثقافية وإنسانية، تبتعد عن السياسة المباشرة، وتقترب أكثر من الإنسان، وهمومه، وأحلامه الصغيرة التي تستحق أن تُغنّى.