وضاح خليل.. حين تكتب الموسيقى ما لا يجرؤ النص على قوله

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – حسيبة صالح:

تتقدّم هذا العام ثلاثة أعمال درامية – شمس الأصيل، علوم الأولين، وآخر نفس– لتفتح أمام الموسيقار وضّاح خليل مساحة جديدة من النضج والهدوء، مساحة جعلته يقترب من الموسيقى التصويرية كأنها كائن يتنفّس داخل الدراما، لا مجرد خلفية ترافقها. وقد أشار منذ البداية إلى أن هذا العام كان «رحلة أكثر نضجاً وهدوءاً»، رحلة اشتغل فيها على التفاصيل الصغيرة «كأنها بطلة خفية داخل العمل».

البذرة الأولى للّحن

عندما تحدّث عن الهوية الموسيقية للأعمال الرمضانية، أوضح أنه انطلق من فكرة واحدة: الروح قبل الحدث.
وأضاف خلال حديثه لـ”الحرية” أنه أراد للمشاهد أن يشعر بالمناخ الداخلي للشخصيات قبل أن يتابع الحكاية، وأن يلتقط نبض العمل قبل أن يتورّط في حبكته. وتابع قائلاً: إن الموسيقى بالنسبة له ليست تعليقاً على الصورة، بل نافذة على ما لا يُقال.

ترك الشخصيات تقود الطريق

أشار خليل إلى أنه يقترب من النص كأنه «مشاهد أول»، يبحث عن نبضه العام، ثم يترك الشخصيات تقوده إلى تفاصيل الصوت. وأوضح أنه لا يفرض تيمة جاهزة على شخصية ما إلا إذا طلب القائمون على العمل ذلك، لأن الموسيقى بالنسبة له «كائن حيّ يتشكّل مع تطوّر الدراما».

حساسية أعلى دون قوالب جاهزة

وعن خصوصية موسيقى رمضان، قال: إن الشهر يحمل حساسية وجدانية أعلى، لكنّه يرفض التعامل معه كقالب موسيقي ثابت. وأضاف: «الموسيقى يجب أن تعبّر عن روح العمل سواء كان العمل رمضانياً أو خارج الموسم»، وفي هذا السياق، أوضح أنه يتعامل مع الروحانية كـ«طاقة داخلية لا كقالب تقليدي»، فتظهر في العمق دون أن تعيق الإيقاع الدرامي.

بين البحث والإلهام

وعندما سُئل عن بحثه في المقامات أو الألوان الموسيقية، قال إنه يوازن بين الدراسة والإحساس: «أدرس الاحتمالات، لكن أترك القرار الأخير للإحساس».
وأضاف إنه يؤمن بالمزج الذكي بين الآلات الشرقية والغربية، لأن الهوية الصوتية تصبح «أصدق وأغنى» حين تخدم الآلات بعضها.

لحظة استقرار اللحن

وأشار خليل إلى أن اللحن يستقرّ عندما يسمعه ويشعر أنه لا يطلب إضافة ولا يحتمل حذفاً. «هنا أعرف أنه وجد مكانه الصحيح»، يقول بثقة من يعرف أن الموسيقى كائن حساس، يكتمل حين يهدأ.

المخرج… شريك رؤية ومساحة حرّة

وعن علاقته بالمخرجين هذا العام، قال إن العلاقة كانت «حواراً مفتوحاً». يضعون الرؤية، ويترجمها هو إلى إحساس مسموع. وأضاف إن هذا العام تحديداً منحه المخرجون «حرية شبه مطلقة»، ما سمح له بكتابة موسيقى أكثر صدقاً، وبعيدة عن الحسابات الإنتاجية.

المشاهد الصامتة… حين تقول الموسيقى ما لا يُقال

وعندما سُئل عن المشاهد التي تطلبت نقاشات طويلة، أوضح أن المشاهد الصامتة كانت الأكثر حساسية، لأنها تحتاج موسيقى «تقول ما لا يُقال». لكنه أشار إلى أن القائمين على الأعمال تركوا له حرية القرار، ما جعل العملية أكثر سلاسة.

مهندس الصوت… الشريك الغائب الحاضر

تحدّث خليل عن دور مهندس الصوت قائلاً: «في الحالة الطبيعية، مهندس الصوت شريك إبداعي حقيقي». لكنه أضاف بابتسامة واضحة في صوته: «في حالتي أنا هو المؤلف والموزّع الموسيقي ومهندس الصوت في آن واحد».

الشك… ولادة ثانية للّحن

اعترف خليل بأنه واجه لحظات شك وإعادة كتابة كاملة لبعض الألحان، لكنه اعتبر ذلك «علامة صحية»، لأن بعض الألحان «يحتاج أن يولد مرتين ليصبح صادقاً».

مشهد يلامس الروح قبل الجمهور

وعندما سُئل عن المشهد الذي لامس روحه، عاد إلى العام الماضي، إلى مشهد المواجهة الهادئة بين الأب وابنه في كمامات وطن. قال إنه كان بسيطاً وصادقاً إلى حد جعله يبكي ويعيد سماعه مراراً. وأضاف إن الموسيقى التي تلامس روحه أولاً هي التي تصل إلى الجمهور بصدق أكبر.

الجمهور… بين الوعي الموسيقي ونجومية العمل

وأشار خليل إلى أن الجمهور اليوم يلتقط التفاصيل الدقيقة، لكنه ما زال ينجذب أولاً إلى نجم العمل. وأضاف: «في هذه الأيام يُقاس نجاح الموسيقى بنجاح العمل. أحياناً تكون هناك موسيقى مهمة لعمل ضعيف الإنتاج فينسف الجمهور كل شيء، والعكس صحيح».

ماذا يريد من الجمهور هذا العام؟

قال إنه يتمنى أن يشعر المشاهد بأن الموسيقى كانت «رفيقاً صادقاً للحكاية، لا مجرد خلفية لها».

خلاصة التجربة… موسيقى أكثر صدقاً

اختتم وضّاح حديثه بجملة تلخّص رحلته هذا العام: «هذا العام كتبت موسيقى أكثر صدقاً… تبنّيت الأعمال بعيداً عن الجوانب الإنتاجية، كردّ جميل لتقدير الجهات المنتجة للجهود التي بذلناها في العام السابق».
تجربة تُشبهه: هادئة، ناضجة، ومخلصة للحكاية قبل أي شيء… موسيقى تمشي إلى جانب الدراما لا خلفها، وتترك أثرها بصمت يشبه صدقها.

وضّاح خليل موسيقي سوري يُعدّ من أبرز الأصوات في مجال الموسيقى التصويرية. انطلقت مسيرته من دمشق، حيث صقل موهبته بين المعاهد والعمل الدرامي المباشر، قبل أن يرسّخ حضوره كصانع هوية سمعية للأعمال التلفزيونية. يجمع في أسلوبه بين الحس الشرقي والحداثة، ويمنح الموسيقى دوراً درامياً يوازي الصورة في أهميته. عُرف بقدرته على التقاط نبض الشخصيات وبناء ألحان صادقة تلامس الجوهر، ما جعله واحداً من الأسماء المؤثرة في الذاكرة السمعية السورية.

Leave a Comment
آخر الأخبار