يؤثر على الشفافية ويسمح بغسيل الأموال.. غياب الفوترة يعطل الاندماج في النظام المصرفي العالمي

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:
بينما تنصهر الاقتصادات العالمية في بوتقة الرقمنة والشفافية المالية، لا تزال معاملاتنا اليومية تحتفظ بمساحات معتمة، حيث تغيب أبسط أدوات التوثيق والإثبات في مجتمعنا، فكيف يمكن لمجتمع أن يحارب الفساد المالي ويحمي حقوق أفراده، إذا كان الإيصال الرسمي – ذلك الدليل البسيط على التسليم والتسلم- يعد رفاهية أو إجراءً ثانوياً؟
ظاهرة الإيصالات المفقودة تجتاح معاملات شركات الخدمات الأساسية ومكاتب الصرافة، تكشف عن الخطر الخفي الذي يمثله غياب هذه الوثيقة البسيطة في وجه الاقتصاد الوطني والأمن المالي.. فهل من حل؟

ظلّ الإيصال المفقود

إذ حذر الخبير الاقتصادي محمد بكر من تفاقم ظاهرة امتناع بعض شركات الخدمات الأساسية وشركات الصرافة في سوريا عن إصدار إيصالات دفع أو قبض موقّعة ومُختومة للمواطنين، مُشيراً إلى أن هذه الممارسة تُشكّل ثُغرة نظامية خطيرة تهدّد الأمن المالي الوطني وتُعطّل آليات الرقابة.
وأكّد بكر، في حديث لـ “الحرية”، أن غياب الوثيقة الإثباتية يُعقّد النزاعات القانونية ويُتيح مجالاً للاختلاسات، كما يُسهّل عمليات غسل الأموال القادمة من أنشطة غير مشروعة.

مخاطر مالية وقانونية

كما أوضح بكر أن انتشار هذه الظاهرة يخلّف تبعات بالغة على المُتعامل والمؤسسة معاً، مبيناً أنه من الناحية القانونية، قد يؤدي غياب الإيصال إلى افتقاد أيّ دليل لإثبات عملية الدفع أو القبض في حال حصول نزاع.
أمّا مالياً، فإن عدم وجود وثيقة رسمية مُرفقة بالسجلات المحاسبية يُهيّئ بيئة خصبة للاختلاس والتلاعب في المدفوعات والمقبوضات.

يعيق الانفتاح

ولفت بكر إلى أن مشكلة التعامل النقدي غير الموثّق تُعدّ أحد العوامل المؤثرة في التقييم الدولي للقطاع المصرفي، وأن استمرار هذه الممارسة يُعيق الانفتاح المالي على الأسواق العالمية.

ممر سري لغسل الأموال

وحول مدى تعامل التشريعات الحالية مع هذه الفجوة، وخاصة قوانين مكافحة غسل الأموال، كان حديث بكر واضحاً، فحذّر من أن عمليات صرف العملات الأجنبية من دون إيصالات رسمية تُعتبر “ممراً سرياً” لتسهيل غسل أموال مُحصّلة من أنشطة إجرامية كتجارة المخدرات، لتبدو لاحقاً كأموال مشروعة.
وهنا أكّد بكر ضرورة التشديد في عملية استبدال العملة القديمة، عبر إلزامية التوثيق بإيصالات رسمية وبصورة هوية وبصمة العميل للمبالغ الكبيرة، محذراً من خطورة استخدام صور هويات لصرف مبالغ نيابة عن آخرين.

آليات رقابية غير كافية

وعن فاعلية آليات مراقبة شركات الصرافة الحالية، رأى بكر أنها قاصرة. فالتركيز الحالي على جمع صورة الهوية فقط لا يحقّق الغاية المرجوة، بينما يظلّ الإيصال الرسمي الذي يوثّق قيمة المعاملة وملكيتها غائباً في أحيان كثيرة.
ولعلّ الحلّ العملي، بحسب بكر، يكمن في إلزام هذه الشركات بإصدار إيصالات مُحَرّرة بدقّة، يحتفظ العميل بنسخة، وتُحفظ أصلها في سجلات الشركة، مع إرسال نسخة إلى المصرف المركزي للرقابة، كحدّ أدنى لتحقيق الشفافية.

تأثير سلبي

وحول سؤاله عما إذا كانت هذه الممارسات تؤثر في جهود الرقابة المالية الشاملة، أجاب بكر: “بالتأكيد”. فوجود هذه الثغرات لا يُعطّل الرقابة المحلية فحسب، بل يضعف الموقف التفاوضي للجهاز المصرفي ويُصعّب عملية الاندماج مع الأنظمة المالية العالمية، ما يسمح بتسرّب الأموال غير القانونية عبر قنوات غير خاضعة للمساءلة.

التحدّي الرقمي

وفي ظلّ التحول العالمي، يبرز سؤال ملحّ: لم لا يتم إلزام جميع الجهات بنظام إلكتروني موحّد لإصدار إيصالات معتمدة؟
أجاب بكر بأن الفكرة هي الحلّ الأمثل، لكن التنفيذ يواجه عقبات، فمعوّقات تقنية واقتصادية كالبنية التحتية غير الجاهزة والعقوبات الدولية ونقص التمويل تُعقّد المهمة. إضافة إلى ذلك، لا يزال جزء كبير من التعاملات نقدياً وخارج القنوات المصرفية الرسمية.

لذلك دعا بكر إلى العمل على محورين: تحفيز وسائل الدفع الإلكتروني لتقليل الاعتماد على النقد، والسعي نحو نظام إلكتروني موحّد خاضع للرقابة، يغطي سلسلة المعاملات المالية كاملةً.

خلل بارز

وختم بكر: إن ظاهرة غياب الإيصال الرسمي ليست إهمالاً إدارياً عابراً، بل هي علامة على خلل هيكلي في إطار الحوكمة المالية، وحذر من أنه مع تصاعد تعقيدات الجريمة المالية عالمياً، يصبح تطوير البنية الرقمية وفرض آليات توثيق شفافة مسألة أمن قومي، وشرطاً لا غنى عنه لبناء ثقة تُعيد ربط الاقتصاد الوطني بشرايين التمويل العالمي.

Leave a Comment
آخر الأخبار