الحرية – ميسون شباني:
ليست كل الأدوار تُقاس بمساحتها الزمنية، ولا تُختزل قيمة الممثل بعدد مشاهده على الشاشة. أحياناً يكفي حضور خاطف ليصنع أثراً ممتداً، ومشهدٌ واحد متقن قد يرسّخ اسم صاحبه أكثر من بطولة كاملة. هذا تماماً ما يفعله الممثل السوري يحيى مهايني، الذي يواصل تثبيت حضوره كأحد أبرز الوجوه التمثيلية الصاعدة عربياً وعالمياً
حضور مكثّف في “مولانا”
في مسلسل مولانا، ظهر مهايني في عدد محدود من المشاهد ضمن الحلقة الأولى، إلا أن تأثيره تجاوز حدود الزمن القصير. قدّم أداءً مكثفاً قائماً على الاقتصاد التعبيري والانضباط الداخلي، نظرات محسوبة، انفعال هادئ متصاعد، وصمت مدروس حمل في طياته أبعاد الشخصية النفسية.. فلم يكن حضوره استعراضياً، بل اعتمد على بناء داخلي عميق منح الشخصية صدقيتها وأقنع المشاهدين منذ اللحظة الأولى.. تلك المشاهد القليلة بدت وكأنها وُضعت بعناية لتبقى عالقة في الذاكرة، مؤكدة أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى مساحة واسعة لتثبت نفسها..
محطة التحوّل
أما التحول المفصلي في مسيرة مهايني فجاء مع فيلم “الرجل الذي باع ظهره” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو العمل الذي بلغ القائمة النهائية لجوائز الأوسكار عام 2021 عن فئة أفضل فيلم دولي
في هذا الفيلم، أدّى مهايني دور مهاجر سوري يجد نفسه أمام خيار وجودي يحوّل جسده إلى عمل فني مقابل فرصة عبور إلى أوروبا، في قصة تلامس أسئلة الحرية والكرامة والاستغلال. أداء مهايني جاء مركّباً وعميقاً، متدرجاً في التعبير عن التحولات النفسية للشخصية، ما أهّله لنيل جائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية السينمائي عام 2020 وهو إنجاز غير مسبوق لممثل سوري.. فقد جاء وقوفه أمام نجمة عالمية مثل مونيكا بيلوتشي ليشكّل اختباراً حقيقياً لحضوره، وقد أثبت قدرة لافتة على المنافسة بثقة في فضاء سينمائي دولي..

تجربة درامية مختلفة في “الزند”
بعد ذلك خاض مهايني تجربة لافتة من خلال مسلسل “الزند” للمخرج سامر البرقاوي، إلى جانب النجم تيم حسن. حيث قدّم شخصية “مستر روس”، صاحب مصرف بريطاني يقف خلف مخطط اقتصادي معقّد، في دور يتطلب هدوءاً ظاهرياً يخفي دهاءً وحسابات دقيقة، ومرة أخرى، اعتمد مهايني على الأداء الداخلي المتزن، مبتعداً عن المبالغة، ومراهناً على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في الشخصيات المركّبة..
مسار تصاعدي بثبات
ما يجمع بين تجارب مهايني في “مولانا” والسينما العالمية و”الزند” هو وعي فني واضح بخياراته، وقدرة على التعامل مع كل دور بوصفه مسؤولية إبداعية لا مجرد ظهور عابر. وذلك بحضوره المكثف في مساحات قصيرة، إلى جانب إنجازه العالمي في السينما، إذ يعكسان مساراً تصاعدياً ثابتاً يقوم على الموهبة والاجتهاد والانضباط.
وفي زمن تتكاثر فيه الأسماء، يرسّخ يحيى مهايني معادلة مختلفة: الدور ليس بحجمه، بل بعمقه. ومن خلال خطوات مدروسة بين الدراما المحلية والمنصات العالمية، يبدو أن اسمه يتجه بثبات نحو مكانة أكثر رسوخاً في المشهدين العربي والدولي.