الحرية – نهلة أبوتك:
هذا العام، تأتي ذكرى الثورة السورية مختلفة، إذ تحلّ بعد عام على انتصارها، لتفتح باباً واسعاً أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء سوريا واستعادة دورها السياسي والاقتصادي. بين ذاكرة مثقلة بالدماء، وأفق يتشكل ملامحه اليوم، يبدأ التحول الحقيقي نحو إعادة صياغة الاقتصاد السوري وتهيئة بيئة الاستثمار والتعافي.
عامٌ كامل مرّ منذ لحظة التحول الكبرى، عامٌ لم يكن زمنًا عابراً بقدر ما كان مرحلة اختبار حقيقي لما بعد النصر، حيث انتقل السوريون من منطق المواجهة إلى منطق البناء، ومن حلم التغيير إلى مسؤولية تثبيته على أرض الواقع، بكل ما يحمله ذلك من تحديات اقتصادية ومعيشية.
في هذا السياق، يضع رئيس غرفة تجارة اللاذقية أنس جود هذه الذكرى في إطارها الجديد، مؤكداً في تصريح لـ«الحرية» أن الاحتفال هذا العام يحمل معنى مختلفاً تماماً، لأنه يأتي بعد تحقق الهدف الذي خرج السوريون من أجله، مشيراً إلى أن الثورة لم تعد تُقرأ كحدث سياسي، بل كنقطة انطلاق لمرحلة اقتصادية جديدة.
ويضيف جود إن التحدي اليوم لم يعد إسقاط واقع قديم، بل بناء واقع جديد، لافتاً إلى أن القطاع التجاري، رغم كونه من أكثر القطاعات تضرراً خلال سنوات الصراع، يقف اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة دوره كمحرّك أساسي للاقتصاد.
ويرى أن تحسن العلاقات الخارجية وعودة الحضور الدبلوماسي السوري يشكلان مدخلاً عملياً لإعادة تنشيط التجارة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات السورية، بما يعيد تدريجياً حركة الاقتصاد إلى مسارها الطبيعي.
لكن التحول لا يقف عند حدود التجارة، بل يتجاوزها إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد السوري ككل. فمرحلة ما بعد الانتصار تفرض سؤالاً أكثر تعقيداً كيف يمكن تحويل النصر السياسي إلى مشروع اقتصادي مستدام؟
في قراءة أعمق، يقدّم الخبير في دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجيات المالية الدكتور محمد فرحات تصوراً لهذه المرحلة، معتبراً أن ما جرى ليس مجرد تحول سياسي، بل لحظة تأسيس اقتصادي تتطلب رؤية طويلة المدى.
ويؤكد فرحات أن سوريا تمتلك عناصر نهوض حقيقية، في مقدمتها موقعها الجغرافي الذي يشكل نقطة وصل بين القارات، إضافة إلى رأس المال البشري السوري، خاصة الكفاءات الموجودة في الخارج، والتي يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في إعادة البناء إذا ما توفرت البيئة المناسبة لعودتها.
ويشدد على أن نجاح هذه المرحلة مرهون بإصلاحات مالية وتشريعية واضحة، وتطوير بيئة الأعمال بما يعزز ثقة المستثمرين، معتبراً أن تحويل الشعور الوطني إلى مشروع اقتصادي هو التحدي الحقيقي للدولة السورية اليوم.
من زاوية أخرى، يربط رجل الأعمال المهندس محمد المرجاوي بين البعد السياسي والاقتصادي للتحول، مشيراً إلى أن انتصار الثورة لم يطوِ صفحة الاستبداد فقط، بل فتح الباب أمام بناء دولة حديثة ومنفتحة.
ويشير المرجاوي إلى أن العام الأول بعد سقوط النظام السابق شهد مؤشرات واضحة على عودة سوريا إلى الساحة الدولية، من خلال الحضور السياسي في المحافل الدولية، وإعادة افتتاح السفارات، واستئناف العلاقات الدبلوماسية، وهو ما ينعكس مباشرة على المناخ الاقتصادي.
اقتصادياً، يلفت إلى تحسن نسبي في توفر السلع، إلى جانب خطوات حكومية لرفع مستوى المعيشة، مثل زيادة الرواتب والعمل على استقرار سعر الصرف، إضافة إلى تنشيط ملف الاستثمار عبر توقيع اتفاقيات في قطاعات حيوية كـالطاقة والاتصالات والعقارات.
كما يؤكد أن تعديل القوانين الاستثمارية وتبسيط الإجراءات يمثلان نقطة مفصلية في جذب رؤوس الأموال، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستُختبر بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه الخطوات إلى نتائج ملموسة.
وبين هذه المؤشرات، يتفق مراقبون على أن اللحظة الحالية ليست عادية، بل فرصة تاريخية نادرة، قد لا تتكرر لإعادة صياغة الاقتصاد السوري على أسس أكثر كفاءة وانفتاحاً.
اليوم، يقف السوريون بين ذاكرتين ذاكرة الثورة التي كُتبت بالتضحيات، وذاكرة الدولة التي بدأت تُكتب بالفعل. وبينهما، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، لم تعد فيها الثورة شعاراً، بل مشروع وطن يُعاد بناؤه بإرادة منتصرة، وتاريخ يُكتب هذه المرة بوعي مختلف… لا يكتفي بالنصر، بل يسعى لحمايته عبر بناء دولة قادرة على الاستمرار.