قراءة ودراسة: محمد خالد الخضر:
في كتابه ظواهر وتجارب في الشعر العربي الحديث اعتمد الناقد والشاعر الدكتور نزار بريك هنيدي على المنهج التطبيقي في القراءة، والتحليل الذي يعتمد على أسس الموهبة التي تربط بين الشاعر وبين المؤلف وفق خبرته ومعرفته ووجد موهبة الشعر لديه مع النقد.
ورأى المؤلف هنيدي أنّ جوهر الشعر لا يتغير في الثقافات جميعها بحيث إننا نستطيع التعرف إليه .. أو الزمن الذي يعود إليه, ومهما أنيط به من أدوار ووظائف جمالية وروحية وتربوية واجتماعية وسياسية ومهما تداخل مع غيره من فنون أو نشاطات إبداعية .
وخلال دراساته النقدية لكثير من الشعراء بأسلوبه التطبيقي والتحليلي وجد الشاعر والناقد هنيدي أنّ هناك أسراراً غامضة تكمن في الموهبة قادرة على بث روح الشعرية وإشعاعات في الوهج السحري في النصوص تشير إلى عالم الشعر الحقيقي بأشكاله المختلفة ومكوناته المتنوعة وأغراضه المتعددة وغاياته ..
وذهب هنيدي حياة الشاعر الدكتور علي الناصر الذي اغتيل في حلب في مطلع السبعينيات من دون أن يأخذ حقه.. فهو طبيب وشاعر له أهميته وتجاوز ما كتب عنه من قبل سامي الكيالي وفاضل السباعي وسواهما.. فنوَّع الناصر في استعمال البحور المتعددة ولوَّن بالإيقاعات وأتقن البناء الفني في التقنية الداخلية والإيقاعات مستشهداً ببعض نصوصه .. وأوضح أن الشاعر اشتغل على تجديد إيقاع البيت الخليلي واستخدم نظاماً جديداً للتقنية الداخلية لخلق حالة إيقاعية مبتكرة تختلف عن القصيدة التقليدية .
وذهب إلى أمور أخرى في منظومته الشعرية بغاية التقنية والإدراك والتجديد الإبداعي .
وبيّن هنيدي أنّ .. سريال ( أورخان ميسر ) يعدّ من أهم الشعراء والأدباء السوريين واشترك بكتاب ألّفه مع الدكتور علي الناصر / قوافل الفكر / الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب عام 1974 ومؤلفات أخرى له في المجالات العربية والمترجمة مشيراً إلى كثير من الباحثين والكتّاب الذين تحدثوا عنه منهم يوسف جابر ومحمد جمال باروت وما قدمه في الإبداعات ورؤيته للعربية والسريالية وارتباط السوريالية بالحالة الإنسانية والواقع الاجتماعي .
ولفت الشاعر والناقد هنيدي إلى أن الدكتور بديع حقي الروائي الشاعر تميزت مجموعته ( سحر ) بمقدمة نظرية مهمة تعكس انحيازه المطلق إلى الفن الشعري برغم هجره للشعر وتحوّله إلى القصة والرواية, وإنّ المقدمة تبين وعيه بخصائص الفن الشعري وتأثره بالمدارس الأدبية الحديثة في الغرب وكتابته للشعر الحر أو التفعيلة.. ورؤيته أنّ الشعر قادر على سبر أغوار النفوس وتقديره للموسيقا وأثره بالمدرسة الرمزية وحديثه كما تحدث هنيدي الناقد والشاعر عن كتابه ( الشجر التي غرستها أمي ) الصادر عن اتحاد الكتاب العرب وعلاقته بالشعر وأنواعه ومعرفته بالآداب الأجنبية وأغلب أدباء الحداثة مستعرضاً بعض المقاطع من نصوصه .
واتجه الدكتور هنيدي إلى وجيه البارودي وظاهرة الطبيب الشاعر الذي أمضى فترة من حياته في بيروت كان لها التأثير الحاسم في بناء شخصيته وتكوين عالمه النفسي والفكري وتأسيس ثقافته وتفجير موهبته الشعرية إضافة إلى ما اطلع عليه في الجامعة من كتب ومعارف.. كما توحدت علاقته مع الشاعر إبراهيم طوقان وحافظ جميل وغيرهم .. وما قدمه البارودي كان ينمُّ عن براعة في النظم وكانت له حواريات وسجالات شعرية مع إبراهيم طوقان توازي ماجاء من شعر وأدباء لكبار شعراء التاريخ .. كما تناول شعره وأدبه أهم شعراء حماة وسورية مثل محمد عدنان قيطاز ووليد قنباز وأورد كثيراً مما كتبه أدباء مثل سهيل عثمان .
وتناول الدكتور هنيدي السخرية والفكاهة في الأدب فرأى حسن الفكاهة التي أوضح أن كثيراً من معانيها في المعاجم والقواميس يؤدي إلى جو من الطرفة والدعابة , وحينما تتعلق الكلمة بالمزاح فإنها تنطبق على قدرات الرؤية والفهم أو التعبير عما هو مثير للضحك والفكاهة والسخرية نوع من الأسلوب الهازىء الذي لا يستخدم فيه الأسلوب الجدي أو المعنى الواقعي بعضه أو كله , وهو أسلوب شائع بين العامة والأدباء .. والأدب الساخر يفضح القبح والتواطؤ كما فعل بدوي الجبل في وصف الوزير في زمنه .. ونزار قباني الذي سخر من الأمة التي استكانت إلى استبداد السلطان .. وسخر من الشعراء والكتاب الذين جنّدوا أنفسهم ومواهبهم لخدمة الاستعمار وأتباعه.
وقرأ الشاعر هندي القصيدة القصيرة عند نزار قباني الذي وجد في إبداعه أنها تحتاج إلى شكل جديد يلبسها ثوباً عصرياً وعملياً بعد أن أنهكها التبذير في استعمال اللغة وأدرك أنّ القارئ سيستقبل الجديد بجماله, وهذا النوع استهل فيه كل مجمعاته الشعرية وغيرها . وفي الكتاب قرأ هنيدي ظاهرة شوقي بغدادي وتحولات كثيرة في شعر بدوي الجبل وقصيدة التجربة الشخصية عند فايز خضور وما كتب عنه زاهد المالح شاعر اللغة المرئية وميله إلى الوحدة وامتلاء نفسه بالحزن وغير ذلك .. والبناء الفني في قصيدة مقامات بغدادية لحميد سعيد وتوغل في أزمة مصطلح الشعرية في الكتابة العربية .
وحرص المؤلف في كتابه عل الدقة والحذر في خياراته , واتجه إلى الصدق والمنهج في تطبيق الرؤى على الأسس النقدية .. وظهرت قدرته الشعرية وفي الخيارات التي استشهد بها ..
والدكتور نزار بريك هنيدي شاعر وناقد وباحث له العديد من المؤلفات النقدية والأدبي منها في الشعر ( البوابة والريح ونافذة حبيبتي ) وفي النقد صوت الجوهر ولغز المتنبي ونزار قباني عاصفة الياسمين .
ونشر عدداً كبيراً من المقالات والأبحاث النقدية والدراسات الأدبية في الصحف والمجلات العربية وشارك في لجان تحكيم ونال جوائز عربية وعالمية وشغل مواقع ثقافية وغير ذلك .