منذر حسن يفردُ للحسن هواه

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية -علي الرّاعي:
يبدو الشاعر مُنذر حسن؛ في مجموعته “أفردَ الحسنُ هواهُ” – الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة- وكأنه يُريد أن يقول الشعرَ دفعةً واحدة، وذلك من أسلوب القول الشعري الذي اتبعه في هذه المجموعة التي استعار لتسميتها جملةً مرّت في إحدى القصائد؛ القصائد التي اختار لها أن تأتي تباعاً لا عناوين تفصلُ بينها، ومن هنا كان عنوان المجموعة جملة في بنية أحد النصوص، وليست عنواناً لأحدها كما درجت العادة..
“الحبُّ كرمٌ من نُعاسٍ
غامرٌ،
ليقتُلني دونه وسنٌ.. إمّا اعتصرناهُ معاً،
ثمّ
يُحييني.”
نصوص تتابع ضمن إيقاعات تعلو تارةً كومضة شعرية، يتوخى الشاعر وضعها في الطريق الشعري حتى لا يبقى هذا الطريق على استقامته، وإنما دائماً يمرُّ في مناطق مختلفة من صعودٍ ونزول، وأحياناً ينبسط لمسافة أكثر من صفحةٍ في البياض، وكأنّ الشاعر في تركيزه على سرد قصائده بهذه الطريقة حيث لا انفصال بين النصوص سوى بنجومٍ ثلاث فقط ليعرف القارئ بدء القصيدة من نهايتها؛ تماماً كمُسافرٍ يمكثُ على نافذة حافلة أو قطار؛ تتالى المشاهد أمامَ ناظريه، مرة شجرة، وتارةً غابة، وطوراً جبل، وحيناً سهل أو صحراء.
“سأبوح لهُ بسرّك المخبوء في شرودكِ
وسأسقيه
من كؤوسكِ
بذكركِ تطمئنّ شفاه الوردٍ.”
وهذا ما تشي به النصوص من خلال عدّة إشارات، أو ملامح، فمرةً تقصر لبضع كلمات بكامل المجاز، ومرة تنوس لسردٍ يُقارب القصة القصيرة ليحكي حكاية.. مرة يذهب صوب الحكمة والتأمل والقصيدة الفكرة، ومرة يقترب من القصيدة الصورة، مرة تأتي قصيدة موزونة تتزيّن بقوافيها، ومرة قصيدة تفعيلة، وفي ثالثة قصيدة نثر تهرب بعيداً من التفعيلات.. وعلى مثل هذا التنويع يكثر الشاعر من قوله الشعري الذي يأتي تدفقاً كمجرى، مرةً يتدفق، وأخرى يحفر عميقاً مثقلاً في جريانه.
غير أنّ السمة العامة لقصيدة منذر حسن؛ هو تركيزه على قضية التكامل البنائي العالي، ومؤكداً على الدلالات العليا للبناء النصي الذي يجمع الدلالات الجزئية في المقاطع ويُحيلها إلى مستوى إبلاغي أعلى وواسع.. بمعنى توظيف الدال بالمفردة إلى انزياحها في صورة موظفة لمدلول أراده بوعي تام. رغم أنّ حامل النص كان يتناوب بين معنيين؛ المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي، في استعمال الأول فهو لم يُفارق المألوف من الكلام، غير أن الإبداع كان في السياقات الجديدة للتراكيب أو بما دُعي ب(الانزياح). وفي هذا الاستعمال – وهنا كانت لعبته الإبداعية – في استخدام اللفظ في غير ما وضع له أصلاً، وذلك لهدف بلاغي أو جمالي. وذلك فيما يبدو أنه الكامن في فعاليته الشعرية، وذلك بهذا الإكثار من “التنصيص” الذي أجاده على نحوٍ مُدهش حتى غلب على نصوص المجموعة؛ التنصيص الذي لم يأتِ هنا تضميناً، ولا بناء على ما مضى من تراكيب نصوص مثيولوجية أو من كتب مُقدسة، وإنما كانت في مُناكفة النص القديم والحكي المألوف لتشكيل مخلوقٍ حداثي، وهنا يكون الشاعر قد استفاد من أمرين أو أكثر، وربما قدّم أكثر من توظيف ومهمة للمفردة في سردها القديم، وذلك بالاستفادة من هيبة النص القديم واعتيادية المفردات في سياقها البعيد ومن شهرتها، لتعطي كلّ هذا الإيحاء والتأويل العالي في النص الجديد الذي أخرجها من اعتيادها لتؤدي دوراً مختلفاً وجميلاً.
“كطريقين يسريان بي إليكِ،
يفردان لي وجهكِ الملاك،
ولأكوننّ ممتلئاً به شغفاً،
كما وعدتُك، قليلاً وموجزاً،
ابتعدتُ ما استطعتُ.. جدّاً
على مدى:
قُربً عظيم.”
في هذه التقنية التي يُحاول الشاعر أن يقول لنا إنّه طالما كانت الحقيقة أقرب إلى الظّل منها إلى الشجرة التي تُعطي هذا الظّل، واللعب هنا يكون بالكشف عن فصائل المُعتم، والقصيدة هنا ليست أكثر من تعليق على الحياة بالشعر.

بقي أن نُشير إلى أنّ مجموعة “أفرد للحسن هواهُ” تأتي ضمن عدّة مجموعات شعرية صدرت للشاعر سابقاً عن دار أرواد بطرطوس وهي: شموخ السنديان- 1996، أدعوك فاتحة السّحاب- 1997، ودنيا 1998., وغيرها
“لأنكِ
من خلعت عليه يقطينكِ
نحتاج قصاصكِ من حُبٍّ
ورمادكِ
من صلوات.”

Leave a Comment
آخر الأخبار