بين طموحات التحول الرقمي وعقبات الواقع.. التداول الإلكتروني محفوف بالمخاطر والحذر واجب

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – بشرى سمير:

شهد العالم خلال السنوات الماضية تحولاً جذرياً في أنماط الاستثمار حيث أضحى التداول الإلكتروني عبر الإنترنت منصّة رئيسية للمستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
ولم تكن سوريا بمنأى عن هذا التحول على الرغم من التحديات الهائلة التي فرضتها سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية، فقد بدأت بوادر هذا التحول تظهر، وإن كانت محفوفة بصعوبات جمة حيث يمثل الاستثمار والتداول الإلكتروني نافذة على عالم المال، لكنه يحمل في طياته وعوداً ومخاطر في بيئة غير مستقرة.

الإيجابيات والفرص المتاحة

الخبير المالي والاقتصادي منذر الجابري تحدث لـ”الحرية” عن ان الاستثمار والتداول الإلكتروني في سوريا هو سيف ذو حدين. من ناحية، يمثل بارقة أمل وفرصة للخروج من قيود الاقتصاد المنكوب وكسب عملة صعبة. ومن ناحية أخرى، هو نشاط محفوف بمخاطر غير اعتيادية تتعلق بالبنية التحتية والجهل المالي.
مبيناً أن هناك إيجابيات وفرصاً متاحة إذ يُمكّن التداول الإلكتروني المستثمر السوري من الوصول إلى الأسواق المالية العالمية (مثل بورصة نيويورك، ناسداك، بورصة لندن، إلخ) دون الحاجة إلى وسيط تقليدي معقد أو مغادرة البلاد. أي يكسر القيود الجغرافية ويفتح آفاقاً للاستثمار في شركات التكنولوجيا العملاقة أو المؤشرات العالمية، ما يوفر فرصاً للتنويع بعيداً عن الاقتصاد المحلي المتذبذب.

البيع والشراء

وأضاف: من جانب آخر تتيح المنصات الإلكترونية إمكانية البيع والشراء في لحظات والاستفادة من تحركات الأسعار السريعة، وهذه السيولة غير متوفرة في كثير من أدوات الاستثمار التقليدية داخل سوريا.
ولفت الجابري إلى إمكانية بدء التداول الإلكتروني برأس مال محدود نسبياً، ما يجعله في متناول شريحة أوسع من الشباب وذوي المدخرات الصغيرة ففي ظل ارتفاع معدلات البطالة وتذبذب قيمة العملة المحلية، يبحث الكثير من السوريين عن مصادر دخل بالعملة الصعبة، لذلك يُعد التداول في الأسواق العالمية أحد هذه السبل، حيث يمكن تحقيق أرباح بالدولار أو اليورو، مع التأكيد على متابعة الأخبار الاقتصادية والسياسية العالمية، وفعل تحليل الأسواق، ما ينمي الثقافة المالية والاستثمارية لدى الأفراد.

صعوبات

وحول وجود عواتق أو صعوبات بين الجابري أن البنية التحتية تُعد أكبر عائق أمام نجاح هذه الصناعة في سوريا فانقطاع الكهرباء المتكرر وضعف خدمة الإنترنت بشكل عام، وعدم استقرارها، يجعلان عملية التداول محفوفة بالمخاطر، فقد يؤدي انقطاع الاتصال في لحظة حرجة إلى خسائر فادحة.
وأضاف: إنه في ظل ضعف البنية الأمنية السيبرانية، يعد المستثمرون السوريون فريسة محتملة للاختراق والاحتيال الإلكتروني من خلال منصات وهمية أو برامج تجسس.

الربح السريع

حيث يندفع الكثير من المبتدئين إلى سوق التداول بدافع الطمع والرغبة في الربح السريع، دون فهم كافٍ لمخاطر السوق وأساسيات التحليل.
هذا يؤدي إلى خسائر سريعة لمدخراتهم في سوق يعرف بأنه “صفري المجموع” (ربح أحدهم يعني خسارة آخر).
وحذر الجابري من التقلبات الحادة والضغط النفسي لكون سوق التداول الإلكتروني سريع ومتقلب، ويحتاج إلى أعصاب حديدية، والضغط الناتج عن مراقبة المحفظة باستمرار، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السوريون، يمكن أن يكون كبيراً وخطيراً.
وحول توصيف الوضع الحالي بين الجابري أنه لا يمكن وصف واقع الاستثمار والتداول الإلكتروني في سوريا بأنه “ناجح” بالمعنى المؤسسي أو الواسع. فالنجاحات الحالية هي نجاحات فردية بحتة، تعتمد على جهود شخصية ومخاطرة عالية، إذ هناك شريحة صغيرة من الشباب المتمكن تقنياً تمكنت من تحقيق أرباح، لكنها لا تُمثّل ظاهرة اقتصادية واسعة.
موضحاً أن السوق غير منظمة، ولا توجد جهة رسمية ترعى أو تُشرّع هذا النشاط بشكل يحمي المستثمر، ومن المتوقع أن يستمر كظاهرة ردية، مع تزايد أعداد المستثمرين مع تحسن خدمات الإنترنت (مثل الانتشار البطيء للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية)، قد تظهر مجموعات ومنتديات للتوعية وتبادل الخبرات بين السوريين، وعلى المدى الطويل في حال تحسنت الأوضاع واستقر الاقتصاد، سيفتح الباب أمام تنظيم القطاع، ويمكن للدولة إنشاء هيئة لتنظيم الأسواق المالية واعتماد منصات تداول موثوقة.
كما أن تطوير بورصة دمشق وإدماجها مع التداول الإلكتروني وجذب الاستثمار، يمكن أن يصبح القطاع المالي والتكنولوجي وجهة للاستثمار الأجنبي، ما يخلق فرص عمل ويطور البنية التحتية الرقمية.
كما من المتوقع أن يصبح التداول الجماعي أداة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والناشئة.

ليس مستحيلاً

وختم الجابري بالقول: إن الاستثمار والتداول الالكتروني في سوريا النجاح فيه ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب مهارات استثنائية، ومعرفة عميقة، وقدرة على تخطي عقبات لوجستية هائلة، بالإضافة إلى درجة كبيرة من الحظ، وعلى المستثمر ان يدرك أن احتمالية الخسارة كبيرة جدًا، ويجب توخي الحذر الشديد واعتبره مجالاً للمخاطرة المحسوبة، وليس وسيلة مضمونة للربح السريع.
مؤكداً أن هناك استثمارات الكترونية ناجحة في مجال التجارة الإلكترونية المحلية، مثل منصات بيع السلع الأساسية، فهناك طلب على منصات تبيع منتجات يومية، إضافة إلى نجاح خدمات الدفع الإلكتروني وأنظمة الدفع المحلية، ومنصات التعليم الرقمي والترجمة والخدمات الطبية عن بعد.

Leave a Comment
آخر الأخبار