الحرية – مها يوسف:
تحل الذكرى الأولى للتحرير بوصفها محطة وطنية فارقة في مسار استعادة الدولة السورية لعافيتها ومسؤولياتها، حيث تتقدم القضايا الاقتصادية والاجتماعية لتكون محور المرحلة المقبلة ومعيار نجاحها واستدامتها. وهي لحظة تستدعي قراءة واعية لمتطلبات البناء وإعادة التأسيس وفق رؤية وطنية شاملة.
خيارات اقتصادية
الدكتور رياض الأشتر، أستاذ التجارة الخارجية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، يؤكد أن الذكرى الأولى لتحرير سوريا من النظام البائد تمثل محطة وطنية فارقة تستوجب التوقف عندها واستحضار التضحيات الكبيرة التي قدّمها الشعب السوري في سبيل الحرية والكرامة. فهي ليست مجرد ذكرى سنوية، بل مناسبة تحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة عكست إرادة السوريين في استعادة وطنهم وصون سيادتهم.
ويشير الدكتور الأشتر إلى أن هذا اليوم يشكل بداية عهد جديد يزخر بالتحديات والفرص في آن واحد، مع سعي سوريا إلى النهوض من تحت أنقاض الحرب، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، واستعادة مكانتها ودورها على الساحتين الإقليمية والدولية.
تحديات راهنة
الطريق نحو التعافي محفوف بتحديات كبيرة، أهمها دمار البنية التحتية الذي يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة البناء، وارتفاع معدلات البطالة بسبب توقف قطاعات إنتاجية واسعة، إضافة إلى ضعف الثقة بالمؤسسات الحكومية، وهو عامل يؤثر مباشرة في تدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية. وتحتاج هذه المرحلة إلى إجراءات تعيد الحيوية إلى الاقتصاد وتمنح المستثمرين ضمانات ثابتة وثقة مستدامة.
تأثير قيصر
قانون قيصر شكّل أحد أبرز المعوقات أمام جهود التعافي، إذ فرض قيودًا واسعة على الحركة الاقتصادية ومنع تدفق الاستثمارات والمساعدات الدولية. ومع الحراك الدبلوماسي القائم اليوم، تلوح فرص لتعديل القانون أو رفعه، وهو ما سيفتح الباب أمام العودة التدريجية للعلاقات المصرفية الدولية، وتمكين عمليات الاستيراد، وتسريع مشاريع إعادة الإعمار التي لا يمكن أن تنطلق دون انفتاح اقتصادي خارجي.
الواقع المعيشي
زيادة الرواتب، رغم أهميتها، اصطدمت بمجموعة من التحديات أبرزها ارتفاع الأسعار الذي قلّص أثر أي زيادة، وضعف القوة الشرائية نتيجة التضخم المتواصل، وغياب سياسات اقتصادية متكاملة لضبط الأسواق وتحسين مستوى المعيشة. ولذلك يتطلب الأمر رؤية اقتصادية تؤسس لاستقرار نقدي وسعري، وتعيد التوازن للدخل الحقيقي للمواطنين.
الثروة النفطية
الموارد النفطية تمثل ركيزة أساسية في إعادة بناء الاقتصاد السوري، إلا أنها تعرضت خلال الحرب لاستنزاف كبير. واستعادة السيطرة على الحقول وتشغيلها بكفاءة عالية يمكن أن يوفر مصدرًا مهمًا للدخل الوطني يساند موازنات الدولة ويؤمن تمويلًا ذاتيًا لمشاريع إعادة الإعمار، وخاصة في قطاعي الطاقة والنقل.
إصلاحات حكومية
الفترة التي تلت التحرير شهدت صدور مراسيم وقرارات اقتصادية هدفت إلى خلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، من خلال تسهيل الإجراءات، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد. غير أن فاعلية هذه الإجراءات تتطلب استمرارية في التنفيذ وإطارًا مؤسساتيًا أكثر صلابة يضمن الحوكمة الرشيدة.
الدعم الدولي
الحراك الدبلوماسي كان من أهم محركات الدعم الإقليمي والدولي لسوريا خلال هذه المرحلة. فقد قدمت دول عديدة وعودًا بالاستثمار والمساعدة، إلا أن ترجمة هذه الوعود على أرض الواقع تبقى رهينة بتوفير بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وإطار قانوني يضمن حقوق المستثمرين ويعزز الثقة في مستقبل المشاريع الاقتصادية.
فرص الإعمار
إعادة الإعمار تمثل التحدي الأكبر والفرصة الأكبر في آن واحد، إذ تقدر تكلفتها بمئات المليارات من الدولارات. ويتطلب ذلك جذب الاستثمارات الأجنبية عبر بيئة قانونية آمنة، وإصلاح المؤسسات الحكومية لضمان الكفاءة والشفافية، إضافة إلى التعاون الدولي لتأمين التمويل والخبرات. فالإعمار ليس مجرد ترميم لما تهدم، بل هو عملية تأسيسية لإعادة بناء الدولة بمنظور تنموي حديث.
رفع العقوبات
رفع العقوبات الدولية، وفي مقدمتها قانون قيصر، يعد ضرورة محورية لإطلاق عملية التعافي الاقتصادي. فعودة الشركات الأجنبية، وتدفق المساعدات، واستئناف العلاقات التجارية الطبيعية خطوات لا غنى عنها لإعادة الاقتصاد السوري إلى دورة النمو العالمية، وتمكينه من الدخول في شراكات اقتصادية مثمرة.
رؤية ختامية
الذكرى الأولى للتحرير ليست مجرد ذكرى وطنية، بل هي مناسبة لإعادة تثبيت الإرادة الجماعية نحو بناء سوريا جديدة قادرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص. فطريق التعافي وإن كان طويلًا، إلا أنه ممكن بالإصلاح الجاد، والتعاون الوطني، والانفتاح الدولي، ليغدو الإعمار نهضة شاملة لا تكتفي بإحياء ما تهدم بل تؤسس لمستقبل أكثر عدلًا واستدامة.