الحرية – مها يوسف:
بعد عام على سقوط النظام البائد، تواجه سوريا تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة نتيجة تراكم اختلالات طويلة وفجوات بعد الحرب، العام الجديد يمثل فرصة نادرة لإعادة صياغة مسار التنمية الوطنية عبر رؤية استراتيجية شاملة.
لحظة مفصلية
الدكتور زياد أيوب عربش الأكاديمي والمستشار في جامعة دمشق يرى أن الاقتصاد السوري يقف اليوم عند منعطف تاريخي نادر، لا يقل أهمية عن التحولات الكبرى التي شهدها العالم في نهاية القرن الماضي، فبعد سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، ودخول سوريا مرحلة جديدة، لم يعد السؤال كيف ندير الأزمة، بل كيف نؤسس لمسار تنموي مختلف يعالج جذور الخلل، لا أعراضه فقط.
ويشير عربش إلى أن تجارب دول عديدة نجحت في تجاوز أزمات عميقة بفضل التخطيط الاستباقي والرؤية الواضحة، في حين بقيت سورية لعقود أسيرة نموذج ريعي مختل، أفضى إلى نزيف تنموي، وتفرد سلطوي، وهجرة واسعة للكفاءات، واختلالات مكانية واجتماعية متراكمة.
فجوات متراكمة
يؤكد الدكتور عربش أن الاقتصاد السوري يواجه أربع فجوات متزامنة، الأولى تعود إلى ما قبل الحرب، حيث غياب السياسات التنموية المتوازنة واتساع الفوارق بين المدن والأرياف، الثانية هي فجوة الحرب، التي دمّرت البنية الاقتصادية وأفرغت البلاد من جزء كبير من رأس مالها البشري، أما الفجوة الثالثة فتتمثل في سنوات إعادة الإعمار المطلوبة، والتي ستتزامن مع تسارع عالمي جديد يفرض على سوريا اللحاق بمستويات أعلى من التقدم، وتبقى الفجوة الرابعة، وهي فجوة المستقبل القريب، حيث إن الاعتماد على تقنيات وأساليب تقليدية سيُفقد أي عملية نهوض مضمونها خلال عقد واحد.
استعادة الثقة
من هذا المنطلق، يشدد الخبير الاقتصادي عربش على أن استعادة الثقة تمثل الشرط الأول للتعافي، ثقة المواطن بالدولة، وثقة المستثمر بالبيئة الاقتصادية، وثقة المجتمع بوجود رؤية واضحة ويتطلب ذلك مراجعة السياسات الحكومية، وإعادة تعريف دور الدولة والقطاع العام، وضبط السياسات النقدية، ومكافحة الاحتكارات، مع تفعيل حقيقي لدور المجتمع الأهلي.
خبير اقتصادي : المرحلة تتطلب تجاوز الحلول الجاهزة واعتماد مقاربات ابتكارية عابرة للتخصصات
كما يضع عربش مواجهة الفقر والبطالة والأمية في صلب الأولويات، باعتبارها تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب تأمين سبل العيش وخلق فرص العمل، وتعزيز شروط عودة المهجرين، كما يحذر من تفويت الفرصة الديمغرافية المتاحة حتى عام 2035، في ظل تزايد هجرة الشباب واستمرار نزيف الكفاءات.

مقاربة اقتصادية شاملة
الدكتور عربش يرى أن استحداث المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يتيح فرصة لتبني خطة وطنية شاملة، تشارك في صياغتها مؤسسات التخطيط والوزارات والاتحادات المهنية وممثلو المجتمع، خطة تعيد الاعتبار للزراعة والصناعة كمحركات أساسية للإنتاج، وتربط شبكات الحماية الاجتماعية بدورة الاقتصاد، لا بالإجراءات الإسعافية المؤقتة.
ويؤكد أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب تجاوز الحلول الجاهزة، واعتماد مقاربات ابتكارية عابرة للتخصصات، تقوم على التنمية من القاعدة إلى الأعلى، وعلى شراكة حقيقية بين الدولة والمواطن وقوى المجتمع.
من الحلول الإسعافية إلى الاستدامة
يصف عربش المرحلة المقبلة بأنها انتقال من “عنق الزجاجة” إلى ركائز الاستدامة، فإعادة تأهيل البنية التحتية لا تعني فقط إعادة البناء، بل تشمل الحوكمة، والتسعير العادل، وحقوق الملكية، وضمان وصول جميع فئات المجتمع إلى السلع والخدمات الأساسية.
ويحذر من الركون إلى التوازن الهش القائم حالياً في الأسواق، إذ إن عودة المهجرين وارتفاع الطلب سيكشفان سريعاً محدودية العرض، ما لم تُعالج جذور الخلل الإنتاجي، كما يشدد على أن الاستدامة لا تتحقق دون انتقال مؤسساتي فعلي، وترميم رأس المال الاجتماعي، وتوسيع الشراكات المحلية في تمويل وإدارة مشاريع البنية التحتية.
العقوبات وسؤال النمو
في تناوله لملف العقوبات، يتساءل الدكتور عربش عما إذا كان رفعها سيشكل فرصة حقيقية للتعافي، أم سيؤدي إلى هدر جديد للموارد في غياب نموذج اقتصادي واضح، ويرى أن تراكم اختلالات عقود طويلة لا يُعالج بإجراءات ظرفية، بل بتوظيف التقانة الحديثة ونظم المعلومات لوضع خرائط واقعية للإسكان، والزراعة، والصناعة.
ويؤكد أن تجارب دول ما بعد النزاع تظهر أن هذه المراحل تحمل فرصاً نادرة لإعادة صياغة البيئة الناظمة للاقتصاد، شرط أن تكون السياسات استباقية لا ردّ فعلية.
اقتصاديات المكان
يولي عربش أهمية خاصة لمقاربة اقتصاديات المكان والتنمية المحلية، باعتبارها أداة أساسية لإعادة التوازن التنموي ومنع تفكك الجغرافيا السورية، فالتخطيط الإقليمي، برأيه، يمكّن من معالجة تمركز السكان والناتج، وإعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية، وتحويل المناطق الطرفية إلى محركات للنمو.
التنمية المحلية قادرة على تحويل القوى الطاردة إلى عوامل جذب إذا ما ارتبطت بمحاور نقل حديثة
ويؤكد أن فهم العلاقة بين الكثافة السكانية، والمسافة، والانقسامات الجغرافية ضروري لتصحيح مسار التنمية، وأن التنمية المحلية قادرة على تحويل القوى الطاردة إلى عوامل جذب إذا ما ارتبطت بمحاور نقل حديثة، ومدن جديدة، ومناطق صناعية مدروسة.
الطاقة كرافعة اقتصادية
في قطاع الطاقة، يرى الدكتور عربش أن موائمة العرض والطلب تمثل شرطاً أساسياً لإعادة إقلاع الاقتصاد، ويضع معالجة الفواقد والهدر في صدارة الأولويات، قبل أي استثمار جديد، مع اعتماد سياسات عقلنة الاستهلاك والتسعير الذكي.
كما يدعو إلى تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، ليس فقط لتأمين الكهرباء، بل لتحويلها إلى قطاع مولّد لفرص العمل، ومحرك للنمو الإقليمي، ومكوّن أساسي للاستقلالية الطاقوية.
ويخلص الدكتور عربش إلى أن سوريا أمام اختبار حاسم: إما إعادة إنتاج نموذج أثبت فشله، أو الشروع في مسار تنموي جديد يقوم على الرؤية، والمشاركة، والعدالة المكانية، والاستثمار في الإنسان قبل الحجر، فبعد عام على السقوط، لم يعد السؤال كيف نحتوي الأزمة، بل كيف نبني مستقبلاً مختلفاً.