حصاد 2025.. سوريا.. انطلاق النوافذ وانكشاف الواقع على هواء حركة التجارة والتمويل العالمية

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

متابعة ـ يسرى المصري:
لحظة تاريخية بين الصدمة والفرص.. في العام الذي شهدت فيه كرة المصائر العالمية، وقفت سوريا على عتبة زمن اقتصادي جديد. كان الإعلان عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة، ذا وقع صادمٍ وانعكاسات عميقة.. هذا الانفراج، الذي ظهر كمنحة للمستقبل، حمل معه مفاتيح الحلّ السريع. ومكّن من فتح نافذة تطل على هواء حركة التجارة والتمويل العالمية، لكنه في الوقت نفسه سلّط الضوء على واقع اقتصادي متعب، وحالات فقر، وبنية تحتية متهالكة. أنتج العام 2025 للمواطن السوري مشهداً ذا أضداد: نافذة مُشرعةٌ على العالم، تطل على استثمارات وفرص واعدة، ووعود بإصلاح مالي وشفافية، لكنها تجابه إرثاً بغيضاً وفساداً منهجياً، وسعياً نحو الاستقرار، لكنه مثقل بهموم تأمين الوضع الغذائي.

السياق العالمي واقع هش لعام 2025

شهدت الأسواق العالمية عام 2025 تقلباتٍ عنيفة وتغيّرات مفاجئة في الاتجاهات، وتصفها التقارير بـ”الأرباح الخاطفة والصدمات العنيفة”. تظهر لنا هذه التحولات صورة سوريا في مرآة العالم من دولة تعيش على حافة الانزلاق نحو الهشاشة الى دولة تحقق استقراراً وانفتاحاً على العالم بسياق فريد مع تحقيق بعض المكاسب.

المعادن النفيسة

خلال العام 2025 كانت المعادن النفيسة الملاذ الآمن الوحيد في زمن عدم اليقين حققت الذهب قفزة تاريخية بأكثر من 64% في 2025، في أقوى أداء له منذ عام 1979. جاء هذا الصعود مدفوعاً بخفض أسعار الفائدة الأمريكية، والتوترات الجيوسياسية، والطلب القوي من البنوك المركزية والمستثمرين الأفراد الذين شعروا بـ”الخوف من فوات الفرصة”. أما الفضة، فأداؤها كان أكثر إذهالاً، حيث قفزت بنسبة 145% خلال العام. هذا الأداء الاستثنائي للمعادن النفيسة يؤكد أن المستثمرين العالميين والسوريين على حدٍّ سواء، في زمن التحولات السياسية والاقتصادية العنيفة، يهربون من أصول المخاطرة ويبحثون عن أمان حقيقي ملموس. المفارقة هنا أنه بينما كان الذهب يحلق عالمياً، كان السوري يسعى غالباً لتحويل ما لديه منه لتأمين قوت يومه، في مشهد يختزل تناقضات الاقتصاد الذي يعيش بين مطرقة الحاجة وسندان الواقع العالمي.

العملات

فيما يخص العملات لعام 2025 كان الوضع الغالب انهيار معايير الثقة انخفض مؤشر الدولار الأمريكي، عملة الاحتياطي العالمي، بنسبة 9.75% في 2025، مسجلاً أكبر انخفاض سنوي منذ سنوات. تعرّض الدولار لهزّة ثقة نادرة في نيسان 2025 بعد إعلان إدارة ترامب سياسة الرسوم الجمركية الواسعة، ما جعل المستثمرين الأجانب، ولو لفترة وجيزة، يتصرفون مع الولايات المتحدة وكأنها “اقتصاد ناشئ عرضة للأزمات”. هذا الهبوط، الذي امتد ليدعم عملات رئيسية كاليورو والجنيه الإسترليني، يُقرع ناقوس خطر لدى المراقب في سوريا إذا كانت العملة الأقوى في العالم تفقد ثقة المستثمرين بهذه السرعة تحت ضغط السياسات المتقلبة، فما هو مصير العملة الوطنية التي تهتزّ بسبب عوامل داخلية وخارجية معاً؟

السلع الأساسية

معادلة صعبة بين العرض والطلب، حيث انفصلت أسعار العديد من السلع الأساسية عن اتجاهات الأسهم والمعادن. شهد النفط انخفاضاً بنحو 20% خلال العام، تحت وطأة توقعات فائض المعروض وزيادة إنتاج “أوبك+”. بينما واصل النحاس، وهو مادة صناعية حيوية، صعوده نحو مستويات تاريخية. هذه التباينات الحادة تعكس اختلالات واضحة في أسواق السلع، وتضع المستورد السوري في موقف مرهق فهو ليس فقط أمام تقلبات الأسعار، بل أمام تحولات جذرية في سلاسل الإمداد والطلب العالمي.

الأسواق بين الموازنة النظرية والإرباكات الواقعية

في الداخل السوري، كانت مشاهد السوق بعد رفع العقوبات أقرب إلى مسرحية ، حيث تتحرك الشخصيات (التجار، المستهلكون، المنظمون) وفق نصوص متضاربة.
كان سوق الذهب.. الملاذ الوحيد في دولة تسعى للتمكين السياسي والاقتصادي والعالمي بعد عقود من السياسات الفاشلة للنظام البائد بحيث تحوّل الذهب إلى العملة الفعلية والبنك المركزي الموازي في سوريا. بينما تشتريه البنوك المركزية العالمية للتحوط من المخاطر، يستخدمه السوري لضمان التعليم والعلاج والهجرة. لم ينخفض سعره المحلي رغم تراجع الدولار عالمياً، لأنه لم يعد مرتبطاً بالسوق العالمي فقط، بل بانهيار الثقة في كل البدائل المحلية. الذهب لم يكن سلعة ترف، بل شهادة بقاء.حتى جاء التحرير الذي بدأ ببناء خطوط ثقة جديدة مع المؤسسات والمواطنين ونجح برفع الرعب أو ما يقال بقانون قيصر الذي كان يعتبر من أشد العقوبات الاقتصادية ..ثم تلى رفع العقوبات سياسات لدعم الثقة كاستبدال العملة وحذف صفرين ..وتم الإعلان عن قانون استثمار عصري لفتح المجال أمام الاستثمارات والتمويل العالمي .

أسواق الاستيراد والأمن الغذائي

تشير توقعات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى أن إنتاج الحبوب في سوريا قد يكون أفضل من متوسط إنتاج السنوات الماضية جميعها. ويرجح أن يغطي الإنتاج المحلي ما يزيد على 49 % من الاحتياج الوطني. ترجع أسباب هذا التحسن إلى موسم أمطار مبشر، وإعادة دراسة تكاليف المدخلات الزراعية كالوقود والأسمدة، وتحسين جودة البذار، كما أن تحسن السيولة يمكن من استيراد الكميات الكافية لسد الفجوة. الحلول المطروحة، كتوسيع المساحات الزراعية في بعض المناطق.

التجار والصناعيون

لماذا لم يستفيدوا؟ السؤال عن سبب عدم تخفيض الأسعار وتحسين الجودة بعد رفع العقوبات يعكس فهماً مثالياً لآليات السوق. الواقع أكثر تعقيد فالاستيراد ليس حلاً سحرياً ووصول بضائع أجنبية متنوعة يتطلب سيولة دولارية، والتي لا تزال شحيحة، وشبكات لوجستية سليمة.
أضف إلى ذلك المنافسة في بيئة غير تنافسية، حيث كان يعمل التجار والصناعيون ضمن اقتصاد ظلّ هائل، وفساد مؤسسي عميق، وقيود إدارية معقدة. وكانت المنافسة الحقيقية تتطلب سيادة القانون والشفافية، وهما غائبان في عهد النظام البائد.
لقد ورثت الحكومة الجديدة بعد التحرير نظاماً اقتصادياً مريضاً، حيث تتعايش مظاهر “السوق الحرة” الحديثة مع ممارسات “السوق المغلقة” والمركزية القديمة. التجار ليسوا كتلة واحدة؛ منهم من يحاول النهوض، ومنهم من يستفيد من الفوضى. والصناعة المحلية لم تمت فقط بسبب العقوبات، بل بسبب تدمير بنيتها، وهروب رأس المال البشري والمادي، وغياب الأمن والاستقرار الذي كان أساس أي إنتاج.
يبدو أن المسار الاقتصادي لسوريا في عام 2026 سيكون “إدارة التعافي” و”تحقيق الانتعاش”. فرفع العقوبات فتح الباب، والعبور يتم ببطء ولكن بثقة إلى جسر من الإصلاحات الهيكلية الحقيقية التي بدات فعلياً، واستعادة الثقة بالمؤسسات والعملة الوطنية، وإعادة بناء البنى التحتية الحيوية، ومعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة ملفات قيد التنفيذ. العالم منشغل بتقلباته وتوتراته، والرهان على رأس المال الأجنبي وحده سيكون مخاطرة كبيرة ما لم يُبنَ على استقرار داخلي وسياسات واضحة.
لقد كشف حصاد 2025 أن المعركة الاقتصادية السورية الحقيقية نجحت في رفع العقوبات، وفي معركة إعادة البناء على أسس جديدة، بعيداً عن إرث النظام الفاشل. المعادن النفيسة ستظل صامدة، والعملات ستتقلب، والتجار سيبحثون عن فرصهم. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل ستستطيع الدولة والمجتمع معاً تحويل نافذة الفرصة هذه إلى باب دائم للخروج من النفق؟ الإجابة تكمن في قدرة السوريين على تحويل الماضي “البغيض”، إلى مستقبل يمكن البناء عليه.

Leave a Comment
آخر الأخبار