أيوب سعدية… مصور صحفي جابه الزمن وحيدا

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- لبنى شاكر:
كان هذا عام 2017. وصلنا باب السلام عبر دمشق القديمة، بعد أن تتبعنا الطريق بين المناخلية وباب الفرج باتجاه مقام السيدة رقية، يُجاورنا مجرى بردى. في المكان مزيجٌ مُحبب؛ قناطر متوالية تفصل بين الأحياء، وارتفاع مفاجئ في مستوى الأرض يعقبه انخفاض بسيط. يومها لم يكن الجيران يعرفون بعضهم، مع موجات النزوح المُتلاحقة، لذلك طرقنا أكثر من باب، حتى عثرنا على منزل “أيوب سعدية” 1943-2025، لكن لا شيء يُوحي بمرور أربعين عاماً أمضاها الرجل في التصوير، على الجدران صورٌ للأولاد والأحفاد لا غير!.
مرات كثيرة، كان عليه أن يُحفّز ذاكرته لتجاري رغبتنا باستحضار تجربته لكن يبدو أن الزمن يفعل فعله في النهاية، والمفارقة إن المُصوِّر العتيق لطالما كان سباقاً في تتبع الأمكنة بكل ما فيها، ليكون ذلك وثيقة، يُمكن الرجوع إليها ليفهم أحدنا، كيف يتغيّر كل شيء دون أن نشعر.

رحلة التصوير

عمل سعدية مدرّساً لمادة التربية الفنية، وكان التصوير هواية ملحة، لم تلبث أن استحوذت عليه، فبدأ مصوراً لمجلة “هنا دمشق” عام 1974، وكان المُصور المُوثّق في لجنة إصلاح وتعمير الجامع الأموي في تلك المرحلة. ثم كان عمله في الصحافة المحلية كاتباً ومصوراً، ولا سيما في مواضيع التراث التي قدمته للقراء خلال أعوام مضت. وكانت له عدة معارض شخصية: دعوة لحماية دمشق القديمة 1980، الرقة تاريخاً وحضارة 1981، حمص التاريخ والعصر 1984، صور من بلادي 1989، المرأة في تراثنا الحضاري 1989، الأموي في ظل التصحيح 1994، دمشق في الليل 1996، معالم دمشقية 2006. تنقلت في مختلف المحافظات، ولكم أن تتخيلوا حجم الجهد المبذول في كل منها، وقيمة التأريخ لأمكنة شوهها قصف طائرات ومدافع نظام الأسد لاحقاً، إن لم نقل إنها دُمرت نهائياً.
وفي السياق ذاته، اهتم سعدية بتعريف متابعي الصحف بما حولهم من معالم وآثار، اعتماداً على الصورة وشرح بسيط لها. واستمرت هذه اللقطات حتى أصبحت أرشيفاً يؤرخ لمدن ومحافظات سورية، مستخدماً كاميرا عادية، دون أي من الأساليب التي جمّلت الصور بقدر ما أفقدتها مصداقيتها. يقول “نوعية الكاميرا ليست بتلك الأهمية، المصور هو الأساس، يجب أن يكون فناناً، وليس كل من حمل الكاميرا أصبح مصوراً”.

رغم تباين موضوعاته وزوايا صوره إلا أن سعدية كان قادراً دوماً على اصطياد اللحظة المناسبة

من التجربة

البحث عن الجمال دفعه لتأمل تفاصيل صغيرة، في القلاع والمساجد والمباني الأثرية، زخارفها وأيقوناتها، شبابيكها وعتباتها، وقاده أيضاً نحو الأرض الأم برحابتها وكثرة الخيارات فيها. ومع تباين موضوعاته وزوايا صوره إلا أن سعدية كان قادراً دوماً على اصطياد اللحظة المناسبة، تشهد على ذلك صوره المتداولة حتى اليوم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية، والتي كثيراً ما تتجاهل اسمه.
وربما لا يعرف ناشرو صوره اليوم أنه فاز بالجائزة الثانية على مستوى الوطن العربي للتحقيق المُصوّر، وحاز على براءة تقدير من مهرجان دمشق الثالث للثقافة والتراث 1996 لإسهامه الفعّال في بناء الحياة الثقافية في مدينة دمشق، وفاز أيضاً بجائزة مجلة العربي الكويتية لأفضل الصور الفوتوغرافية. وفي رصيده الكتب المصوّرة: دمشق الشام “عربي، إنكليزي”، حمص أم الحجارة السود، كما أسهم في كتب منها: سورية اليوم “وزارة الإعلام”، لاذقية العرب “عربي، إنكليزي”، دمشقيات “عادل أبو شنب”، فيروز “جان ألكسان”.
نستحضر من كتبه المُصوّرة “حمص التاريخ والعصر”، نشره عام 1985 وقدّم فيه لقطات ومشاهد من تراث المحافظة وواقعها في تلك المرحلة “مدن، أزياء، مهن، تقاليد، إنجازات”، بعد عامين من البحث والتقصي، إضافة إلى الشروحات المرافقة للصور والمعلومات المؤكدة بالمراجع والإحصائيات، حيث جمع سعدية كل ما وصل إليه عن محافظة حمص، منه ما ذكره عن القماش المقدس من تدمر: في مدينة “كولون الألمانية” توصل أحد العلماء إلى أن القماش الذي يلف عظام القديسين الثلاثة الذين شهدوا ولادة السيد المسيح قد حيك في تدمر أو تم فيها تلوينه ومزجه بخيوط الذهب، وذلك في القرن الأول أو الثاني الميلادي حتى إن الصحف الألمانية نشرت ذلك تحت عنوان “الملوك الثلاثة يرقدون بهدوء مع قماش تدمري أرجواني”.

“لا شيء مما يتقاضاه المُصوِّر في أي زمن يتناسب مع تعبه وما يمكن أن يتعرض له في الشارع من سوء فهم أو مضايقات”

 عن لقائنا القديم

في لقائنا ذاك، لم يُخفِ الرجل شعوره بغبن طال الصورة الصحفية، فهي لا تلقى التقدير الذي تستحقه مادياً ومعنوياً. وعلى حد تعبيره لا شيء مما يتقاضاه المصور في أي زمن، يتناسب مع تعبه وما يمكن أن يتعرض له في الشارع من سوء فهم أو مضايقات، تصل إلى التعدي عليه وإلحاق الضرر بكاميرته، من دون أن ينسى حالة الاستسهال التي يعيشها هواة التصوير وبعض المصورين الصحفيين، عدا عن أن الغبن أيضاً طاله بشكل شخصي، فهو لم يحصل على تقدير استحقه، والأهم إن الذين عمل معهم، سرعان ما تناسوه وتركوه يجابه الزمن وحيداً.
بعد تجربة غنية، تكاد تكون عمراً بأكمله، بدا “أيوب سعدية” وحيداً، لكن ذلك لم يعني شيئاً له مع تراجع وضعه الصحي والمعيشي عامة، في حين يُفترض أن ينال شيئاً من التكريم لقاء ما اشتغل عليه بأمانة في حياته، ولا نزال نتداوله بعد رحيله. مع الإشارة إلى أنه عضو في جمعية نادي فن التصوير الضوئي وعضو في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق، مؤسسات نسيته حتى عندما كان حيّاً.

تصوير: طارق الحسنية

Leave a Comment
آخر الأخبار