د. فاتن محجازي: لغة الضاد “بناء رياضي فريد” قابل للرقمنة.. محاصر بالاغتراب والفجوة التقنية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- سراب علي:

في عصرٍ تتسارع فيه وتيرة التحول التقني، وتفرض الرقمنة ذاتها، تبرز تساؤلات حول مكانة اللغة العربية في هذا المشهد المتغيّر، فبينما تمتلك اللغة مقومات هندسية ورياضية فريدة تؤهلها للاندماج في العصر الرقمي، فهل تستطيع لغة الضاد أن تجد طريقها بقوة بين لغات العالم الرقمية، أم ستبقى حبيسة الإمكانات غير المُستثمرة؟

استيعاب المستجدات الرقمية

هنا تبين الدكتورة فاتن خليل محجازي من كلية الآداب بجامعة اللاذقية- قسم اللغة العربية، أن اللغة العربية أثبتت جدارتها كأداة علمية وتواصلية قادرة على مواكبة الثورة الرقمية واستيعاب المستجدات التقنية، وتشير إلى أن سعة ميادين استخدام العربية في مجالات المعلوماتية كالتوثيق والتعليم والتعريب والإبداع، مع حل إشكاليات الحرف العربي في النظم الحاسوبية، جعلت استخدامها ميسراً في الابتكار والاتصال عبر الذكاء الاصطناعي.

ولفتت محجازي في تصريحها ل “الحرية “إلى أن المعالجة الآلية للغة العربية بدأت بمجال الإحصاء اللغوي، وتطورت لاحقاً عبر تطبيقات معلوماتية شملت الصرف والتركيب والمعجم، مع إنجازات ملحوظة في البرامج التعليمية كتلك التي أنتجتها شركة “صخر”. كما أشارت إلى نجاح تطوير أنظمة تثقيفية رقمية تثري الرصيد المعرفي العربي، مثل موسوعات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

مؤكدة  قابلية العربية الفريدة للتعايش مع الحوسبة، مستشهدة بوصف الدكتور علاء الدين العجماوي للغة العربية كـ “بناء رياضي فريد” يتيح استيعاب المصطلحات الجديدة بطريقة تلقائية وتطويعها وفق أنساقها الصوتية والنحوية.

وتضيف: أنه رغم هذه الإمكانات، فإن اللغة العربية لم تحقق القفزة النوعية المطلوبة للانخراط في الصناعة اللغوية العالمية، وحذرت من أن المحاولات الرقمية الحالية تبقى مجهودات فردية أو شبه فردية، ولا ترقى إلى مستوى الجهد المؤسسي المنظم الذي يضمن الاستمرارية والتطور المتناسب مع قدرات اللغة الهائلة.

وتؤكد محجازي  على أن الاستثمار الأمثل في قدرات اللغة العربية الرقمية لا يزال متأخراً، بسبب حاجة البنية التحتية للمحتوى الرقمي إلى استثمارات ضخمة وخطط استراتيجية مؤسسية، ما يجعل الفجوة المعرفية مع اللغات الأخرى في اتساع مستمر رغم الإمكانات الواعدة التي تزخر بها اللغة العربية.

تحديات ومنافسات

وأشارت إلى أبرز التحديات التي تواجه العربية في عصر الرقمنة، وهي حالة الاغتراب اللغوي التي يعيشها أبناء العربية نتيجة محاولات تكريس أطروحة العولمة اللغوية، أو بالأحرى تكريس النموذج اللغوي الواحد (اللغة الإنكليزية) اعتماداً على التقدم التقني والمعرفي للغرب، ما يؤدي إلى التعامل مع اللغة العربية ودراستها كظاهرة أنثروبولوجية، لا كلغة علم وحضارة وعقيدة، والانصراف عنها إلى اللغة الإنكليزية لممارسة الأنشطة العلمية، باعتبارها أداة إنتاج للمعرفة، حيث أصبحت اللغة الثانية في أغلب بلدان العالم عربية وإسلامية، ويمكن تعليل ذلك بأن الشبكة العنكبوتية صناعة أمريكية وبالتالي تتحكم إلى حد كبير بمحتواها، ومنافسة الثقافات الأخرى واللغات والمنظومات المعلوماتية الأخرى، بالإضافة إلى التزايد الكبير في عدد العلوم والتكنولوجيات التطبيقية والتي لا تجد لها في أغلب الأحيان مكاناً على الخارطة المعرفية العربية وكذلك  تنامي المصطلحات المرتبطة بهذه العلوم والتكنولوجيات والتي في الغالب لا تجد لها مقابلات في اللغة العربية لعدم مسايرتها لتطوراتها وما يصاحبها من مصطلحات وتعابير.

وتضيف: هناك التحدي الاقتصادي المتمثل بضعف التمويل المخصص لأبحاث اللغة العربية وبناء قواعد البيانات، مع تفضيل قطاع الأعمال لنماذج الذكاء الاصطناعي الداعمة للهجات المحلية، وضعف القدرة الشرائية للمستخدم العربي، والتحدي السياسي الناتج عن سياسات العزل والتجهيل التي تنتهجها بعض الأنظمة، ما أدى إلى ندرة البيانات والمحتوى العربي الرقمي، بالإضافة إلى فجوة المحتوى الهائلة إذ لا يشكل المحتوى العربي سوى 3% من إجمالي محتوى الإنترنت مقارنة بـ80% للمحتوى الإنجليزي، مما ينعكس سلباً على أداء برامج الذكاء الاصطناعي وثقة المستخدمين بها.

Leave a Comment
آخر الأخبار