الحرية ـ علي الرّاعي:
لا أعتقد أنّ الساحة الأدبية في سوريّا؛ شهدت يوماً في مختلف منعطفاتها ظاهرةً شعرية؛ تُشبه ظاهرة الشاعر عماد جنيدي كحالةٍ (صعلوكية) جاءت بوهيمية بمنتهى العفوية، ومن هنا كان نصيب كلّ من تشبّه بها الفشل أو السماجة.
ورغم نتاجه الغزير في كتابة الشعر، غير أنه لم يصدر في حياته سوى مجموعتين شعريتين: “صور السهل الأزرق، وقميص الخراب”، ورحل وفي أدراجه عشرات المخطوطات الأخرى، كما سبق أن كتب أكثر من رواية، وهو الذي كثيراً ماكان يُردد” إنني نادم على أي عمل طبعته، فأجمل دار نشر في الدنيا هي تلك الصخور والجذوع التي كتبت عليها.” وبعد وفاته أصدرت له الهيئة العامة للسورية للكتاب مجموعة شعرية بعنوان “وداعاً يا عشيرة الصبّار”، وفيها هذه القراءة. 
يُمثِّل الشاعر عماد جنيدي (1952-2013) نموذجاً للشاعر المهمّش، صاحب الصوت المتمرد الذي ينبع من أعماق التجربة الإنسانية والوجودية.. ورغم أنه لم يحظَ بالشهرة الواسعة، لكن نصوصه تظلّ وثيقةً شعريّةً تؤرّق القارئ بصدقها وعنفها وجماليّتها المأساوية، تنبع فرادة جنيدي من قدرته على صهر المأساة الجمعية والفردية في بوتقة لغوية شديدة الخصوصية، حيث الانزياح والكسر هما سيدا الموقف.. ف”القصيدة” عنده:
“سكينٌ
قطعاً! ليست للذبح،
ولا! لتقشير الفواكه..
رمحٌ ! ربما
وليس لحرب داحس،
منقارُ رخّ هائل
ربما!
ويكسرُ قشرة البلادة
نهارٌ دائمٌ من الغبطة
لا ينتهي حتى وقت تنام،
إنها حسابٌ عسير..
(…)”
تبدو السمة الأبرز في نصوص جنيدي هي الانزياح، ليس كتقليد بلاغي فحسب، بل كموقف وجودي من العالم. إنه يرفض الثابت والمستقر، ويبحث عن اللغة التي تماثل حالة التمزق الداخلي.. فيشتغل على خلق استعارات ومجازات مفاجئة، تنقل القارئ من عالم إلى نقيضه. في النص أعلاه “القصيدة”، هي سكين ولكن ليس لأداء وظيفتها المألوفة (الذبح، تقشير الفواكه)، بل هي “رمح”، “منقار رخّ هائل”، “نهار دائم من الغبطة”. هذا الانزياح يحوّل الأداة اليومية إلى رمز للثورة على “قشرة البلادة”. فالمجاز هنا ليس زخرفياً، بل هو أداة تفجير للرتابة وإدراكٌ للحقيقة عبر المفارقة.. حيث اللغة مشحونة بدلالاتٍ متعددة ومتضاربة.
“أحبّك تأتين وقت اشتعالي
أحبك تأتين وقت غروبي.. غروب خيالي
أحبك تأتين نحوي ظلاماً
يطوحني في أتون الظلام
لأمتدّ فيكِ كنصلٍ هتون
لأقبس منكِ جنون الجنون
أحبّك تأتين موتاً زؤاماً
عشقت بعنيك موتي..
(…)”
النص أعلاه من قصيدة “حريق”، وهي مجاز ليست دماراً، بل هي “روعة”، هي مصدر للضوء والجنون والحب.. يعكس هذا الانزياح الدلالي رؤية شاعرية ترى في التناقض جوهر الوجود.. نلاحظ هنا تكثيفاً شديداً في اللغة، حيث يحذف حروف العطف ويقتصر على الجمل الاسمية القصيرة والفعليّة المنفعلة (“أحبّك تأتين”، “أطبقَ قلبي”). هذا يُعطي النص إيقاعاً متوتراً ومباشراً، كأنها طلقات شعريّة.
” حاول ولو قليلاً
أن تسبق البائع الجوّال.
تجنب ما استطعت مجداف اليقين
إلى متى نظلُّ محشورين
في مؤخرة هذه الشاحنة الكونية؟!
منشغلين بالفاعل المطلق أو بالمفاعيل المسبية؟!
(…)
وفي النص السابق “الحضيض الأخاذ”، يأتي السؤال الاستنكاري “إلى متى نظلُّ محشورين في مؤخرة هذه الشاحنة الكونية؟!” ككسر للخطاب النحوي التقليدي لصالح خطاب درامي مكثف.. ويمتلك جنيدي قدرة فذّة على مزج مستويات لغوية متباعدة منها: لغة الحياة اليومية: يستخدم مفردات من عالم السوق (“البائع الجوّال”)، والمنزل (“خرقةٌ..! ليست تُخاط”)، والسياسة (“مشروعٍ جذري لتغيير العالم”). ولغة أسطورية / ملحمية: يقتحم عالمه بـ “الرخّ الهائل”، “السفينة”، “المجداف”، “السماء السابعة”، “الديناصورات”، مخلقاً مسرحاً أسطورياً تعيش فيه مأساة الإنسان المعاصر.. وكذلك لغة نقدية متخصصة.. وفي نص “الآخرون”، يستخدم مصطلحات لتحقيق صدمة لدى القارئ، ونقل النقاش من المجال البلاغي المجرد إلى مجال الجسد المادي، كنوع من الرفض الصارخ للزيف الاجتماعي.
“أغلق كأسك
عقلك وكتابك
أغلق نفسك ونوافذك
وأبوابك
أغلق.. أغلق.. أغلق كلّ شيء
فقد أقبل الآخرون
رحّب بكلّ العبارات الدارجة
صبّ شاياً أو قهوةً
وتداول معهم في مشروعٍ جذري
لتغيير العالم.
شرط أن لا تمارس منه حتى حماسة النطق
ثمّ اتركهم ينصرفون
(…)
هذا المزج يخلق نسيجاً لغوياً فريداً، يُعبّر عن تعقيد التجربة الإنسانية التي تتراوح بين سُخْف الحياة اليومية وعظمة الأسئلة الوجودية، ويدعم كل ما تقدّم أسلوبٌ هو خليط مأساوي-هزلي.. يكتب المأساة بقلمٍ ساخر، مُدركاً أن الضحك أحياناً هو السلاح الوحيد أمام العبث، وتصل السخرية اللاذعة ذروتها في نص “الآخرون”، فيبدأ بالأمر “أغلق.. أغلق.. أغلق” محاكياً آليات الدفاع النفسية والاجتماعية، ثم ينقلب إلى الدعوة لـ “فتح المجاري كلّها” وطرد “الآخرين إلى الحجيم”. السخرية هنا هي وسيلة لهدم الزيف ورفض التكلس الفكري.
” كلما رفّ أو لاح لي
طائرُ الحب
أطبقَ قلبي على حشدٍ من الجثث والأنصال
لا.. لا مكان لحبٍّ هنا
كما ينبغي أن يكون
إذن! تعالي ممتلئةً بالمكياج
مثلّي دوراً ما.. لننشئ حواراً
ونراعي التسلسل الشكسبيري،
وتعال نقترح منذ الآن
نهايةٌ سعيدةً مقنعة..”
يأتي الحوار الدرامي: في نص “حب”، ليتحول الحب من حالة وجدانية إلى مسرحية هزلية: “تعالي ممتلئةً بالمكياج مثلّي دوراً ما.. لننشئ حواراً ونراعي التسلسل الشكسبيري”. وهذا يحوّل العلاقة العاطفية إلى أداء اجتماعي مُفتعل، ما يعمق إحساس القارئ بالاغتراب.. كما يأتي الصوت المتمرد والاستفزازي: صوت الشاعر الذي يعلن عن هويته بكل وضوح: “من مدبّري الشغب الطفولي” و”قنّاص الصور والديناصورات”.
“حيث الكرة الأرضية
أشبه برغيف الجدّة
وقتها كان السلام
يملأ أصقاع النفس
والروح أشبه بمجرّةٍ تدور
حول النفس والتشابه
والصخرة البحريّة الناطقة بالموج
كانت عنوانك الوحيد
وقت لم يكن معك قلم
دعيني أعبرُ سراديب السلالة
دعيني بأوحال مستنقعي الخاص
أرسم لك أدقّ تفاصيل شجرة العائلة!!
تدور نصوص جنيدي حول محاور أساسية: الحب المدمّر: فالحب ليس منبعاً للطمأنينة، بل هو “موت زؤام”، “أتون ظلام”، “حريق”. إنه قوة جارفة تُعيد تشكيل الذات عبر الدمار، وهو أيضاً العلاقة الوحيدة التي تستحق أن تُعاش في عالمٍ زائف.. والاغتراب الوجودي والاجتماعي: حيث الإنسان في نصوص جنيدي “محشور في مؤخرة الشاحنة الكونية”، ضائع في عالمٍ لا يملك فيه إلا أن يكون “خرقة لا تُخاط إلى البلاد”. هذا الاغتراب هو نتاج صدام الفرد مع مجتمع الرياء “الآخرون”، فالشاعرُ مشغولٌ بنقد الواقع: نصوصه هي نقد لاذع للفساد الذي يزيّن الخسائر الفادحة في “لبوس الأرباح”. وهناك الشك والسؤال: فالعالم عنده غامض، “يتمّ كل يوم” ولا نعرف كيف. كما يُفعم النصوص بعلامات الاستفهام والتعجب والتقطيع (“…”، “!”)، التي تعكس حالة من الترقب والقلق والبحث المستحيل عن إجابات.
يقف نص عماد جنيدي شاهداً على قدرة الشعر على قول ما لا يُقال، وعلى مقاومة البلادة والزيف، عندما صنع من الانزياح موطناً، ومن السخرية سلاحاً، ومن الحريق نوراً، حيث تتأرجح لغته، بين عنف المجاز وواقعية التفاصيل اليومية، فاستطاعت أن تخلق عالماً شعرياً مكتملاً، هو مرآة لمأساة إنسانية فردية وجماعية.. جنيدي هو شاعر الهامش الذي حوّله مركزاً لروحه، تاركاً لنا نصوصاً تشبه “حريقاً ” لا ينطفئ.